" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل أمرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
وهكذا يعامل المؤمنون المنافق إن عاد من كفره ونفاقه إلى الإيمان. لكن ماذا لو تولى المنافقون؟. ﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾ [النساء: 89] والأخذ إذا جاء في مقام النزاع فمعناه الأسر. وقتلهم في ساحة أمر واجب، ولا يصح أن يتخذهم المؤمنون أولياء أو نصراء لأن الواحد من المنافقين يكون دسيسة على المؤمنين، ويحاول أن يعرف أمور وأحوال المسلمين، ويطلع خصوم الإسلام على ما يمكن أن ينفذ منه العدو إلى المسلمين. ويستميت ليعرف ما يبيت المسلمون للكافرين. واتخاذ الولي أو النصير ممن نعلم أنه لا يحب الإيمان وليس على مبدأ الإسلام وعقيدته أمر يشكك في صدق بصيرة الإنسان الذي يتولى ويود غير المسلمين المخلصين.
فحين يرى الواحد منا إنسانا آخر لا يحبه ويكيد المكائد، وعندما يراك تثق فيه وتحسن إليه، يقول هذا الكاره: هذا إنسان فاقد البصيرة فلو عرف ما في قلبي لما فعل ذلك. فإذا اتخذ المؤمنون من المنافقين أولياء أو نصراء والمنافقون على ما هم عليه من نفاق لقال المنافقون: إن المسلمين فاقدوا البصيرة وهم لا يعلمون ما في قلوبنا، لذلك ينير الحق بصيرة المؤمنين حتى لا نأخذ رأيا من المنافقين ينال منا. وقد يقول المنافقون: إن هؤلاء المسلمين ليس لهم رب يبصرهم، فلماذا يدعون أن لهم إلها؟ لو كان لهم إله لبصرهم بما في نفوسنا. ونجد هذا الفضح لهم عندما يقول الحق:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. وعدم تعذيب الحق له وقت كفرهم له فائدة ورحمة سيدركونها فيما بعد. فمن هؤلاء من سيكون سيفا للإسلام بعد أن كان سيفا على الإسلام فقد ادخرهم الله ليكون بعض منهم سيفا للإسلام، فها هو ذا ابن الوليد يهتدي، وها هو ذا عمرو بن العاص، وها هو ذا عكرمة بن أبي جهل، هؤلاء سيكونون سيوفا للإسلام، ولا يظنن منهم أحد أنه ستر مكنون نفسه عن الله:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول..
[المجادلة: 8]. هذا القول قد أدى أمرين: الأمر الأول: وضح أن هناك ربا مطلعا على خائنة الأعين وخفايا الصدور. والأمر الثاني: أوضح أن الله لم يعذبهم لأن منهم من سيمس الإيمان قلوبهم وسيكونون سيوفا للإسلام وسيخرج من ذريتهم قادة يحملون الدعوة لله. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءه جبريل وقال له:
" إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد: إن الله قد سمع قول قومك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك ليأمرني بأمرك مما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ".
وقد حدث ذلك. إن أسلوب معاملة المنافقين يحدده الله في هذه الآية بما يلي: هم قوم الكفر يسكن القلب منهم ومظهرهم يدعي الإسلام ويتمنون أن يكون المؤمنون على شاكلتهم، فلذلك لا يتخذ المسلم وليا من المنافقين ولا نصيرا. ولكن إن هاجر المنافق فرحابة الإيمان تتسع له، أما إن تولى المنافق وأعرض عن ذلك. فأسلوب المعاملة يكون كما يحدده الله: ﴿ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ﴾ [النساء: 89] لكن بعد أن يطلق هذا الأمر توجد عقبة في تنفيذه، إنها عقبة الأحلاف والعهود والمواثيق التي كان يعطيها رسول الله لبعض القبائل، وكانت هذه العهود تتلخص في أن الرسول يعاهد بعض القبائل بعدم الإغارة على المسلمين وعدم إغارة المسلمين عليهم.