تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن هل ألزمه الحق سبحانه وتعالى يفعل المعصية؟ لا، فسبحانه أوضح لك: هذا لا أحبه، وهذا أحبه. واختيارك له مجال، ولك أن تختار الشيء الذي يأتي بالنفع ولا يأتي بالضرر أو أن تختار عكس ذلك. ﴿ الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه.. ﴾ [النساء: 87] هذا خبر من الله. والكلام الخبري عندنا يحتمل الصدق والكذب لذاته، لكن لأن الخبر من الله فهو صادق. أما الكلام في ذاته فيحتمل الصدق ويحتمل الكذب، ولذلك يذيل الحق الآية بما يلي: ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ [النساء: 87] وهل الصدق فيه تفاضل؟. ليس في الصدق تفاضل، فمعنى الصدق مطابقة الكلام للواقع، فالإنسان قبل أن يتكلم وهو عاقل، يدير المسألة التي يريد الكلام فيها ليعمل العقل فيها، وبعد هذا ينطق بالكلام. إذن ففي الكلام نسبة ذهنية، ونسبة كلامية، ونسبة واقعية، فعندما يقول واحد: " زيد مجتهد " هو قبل أن يقول ذلك جاء في ذهنه أنه مجتهد، وهذه هي " النسبة الذهنية " ، وعندما ينطقها صاحبها تكون " نسبة كلامية " ، ولكن هل صحيح أن هناك واحدا اسمه " زيد " وأنه مجتهد؟. إن طابقت النسبة الواقعية كلا من النسبة الذهنية والنسبة الكلامية يكون الكلام صادقا. وإن لم يكن هناك أحد اسمه زيد ولا هو " مجتهد " لا تتطابق النسبة الخارجية الواقعية مع النسبتين " الذهنية والكلامية " فيكون الكلام كذبا. فالصدق يقتضي أن تتطابق النسبة الكلامية مع الواقع، أي مع النسبة الخارجية الحاصلة. ولماذا يكذب الكذاب إذن؟. ليحقق لنفسه نفعا يفوته ولا يحققه الصدق في نظره أو يدفع عنه ضرا. مثال ذلك: يكسر الابن شيئا في المنزل كمنضدة. فالأب يقول لابنه: هل كسرت هذه المنضدة؟. وينكر الابن: لا لم أكسرها. هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضررا وهو الإفلات من العقاب، لأنه يعلم أن الصدق قد يسبب له عقابا. ولا يحمله على الكذب إلا تفويت مضرة قد تصيبه من الصدق فيلجأ إلى الكذب. ويقول كلاما يخالف الواقع. إذن هو يريد أن يحقق لنفسه نفعا أو يدفع عن نفسه ضررا. والذي ينفع الإنسان لا بد أن يكون أقوى منه، وكذلك الذي يضره. لكن بالنسبة لله لا يوجد من يسبب له سبحانه نفعا ولا ضرا. إذن فإذا قال الله فقوله الصدق لأن الأسباب التي تدفع إلى الكذب هو - سبحانه - منزه عنها. وإذا كان الحق يعطينا الكلام الذي يوضح لنا واقع الحياة ويعطينا الكلام الذي لا يدخل في واقع حياتنا ويصف لنا الغيب الذي لا يدخل في نطاق ما نراه، إذن فهو يكلمنا كثيرا. فقوله الحق: ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ [النساء: 87] مؤكد بالنسبة لنا.

وأفعل التفضيل هنا لا تأتي للتمييز بين كلام صادق وكلام أصدق، ولكن لنعرف أن كلام الله لنا كثير. فالتكثير هنا إنما يجيء من ناحية كثرة الكلام، لا من ناحية أن هناك كلاما صادقا وكلاما أصدق. والتفاوت قد يوجد في الصدق أيضا، كيف؟. لنفرض أن إنسانا رأي حادثة يقتل فيها إنسان إنسانا آخر، فيشهد الشاهد بأنه رأى الدم ينزف من القتيل إثر التحام القاتل به، ولكن هناك شاهد آخر يروي كل التفاصيل التي بدأت من قبل المشاجرة بين القاتل والقتيل إلى أن صار هناك قاتل وقتيل. وهكذا نجد أن الشاهد الثاني أشمل في الصدق من الشاهد الأول، صحيح أن الشاهد الأول قال شهادة صادقة، لكن شهادة الشاهد الثاني أشمل في القضية نفسها. إذن فقوله الحق: ﴿ ومن أصدق من الله حديثا ﴾ [النساء: 87] أي أن الحق هو الأصدق بمعنى أن إخباره لنا جاء بالشمول الكامل، وهو صدق لا تفاوت فيه، فالصدق هو مطابقة النسبة الكلامية للواقع، وما دام هو كذلك فليس هناك صادق وأصدق، ولكن أفعل التفضيل تأتي في " أصدق " باعتبار أن كمية الصدق الصادرة لا حدود لها وأنه سبحانه يعلم الأشياء على وفق ما هي عليه أي بشمول كامل. وخلقه إن حدث منهم صدق في شيء فقد يحدث منهم الكذب في شيء آخر. فقد تقول قضية تعلم أنها صدق، ولكنها في الواقع لا تكون صدقا. مثلا فقد يقول قائل: زار فلان فلانا بالأمس. هو اعتقد ذلك لأنه رأى حجرة الاستقبال في بيت فلان مضاءة فسأل عن الزائر فقيل له: " فلان " فهو يروي خبر هذه الزيارة على وفق ما يعتقد، ولا يقال: إن القائل قد كذب. إننا يجب أن نفرق بين " الخبر " وبين " المخبر " ، كيف؟ إذا قلنا: " زيد مجتهد " ، أيوجد واحد اسمه زيد ومجتهد بالفعل؟ هذا اسمه الواقع. وهل أنت تعتقد هذا؟. إذن فالإنسان هنا يحتاج إلى أمرين: معرفة وجود الشيء، واعتقاد الشيء، وبذلك يكون الخبر صادقا والمخبر صادقا أيضا. وافرض أنك أخبرت أن زيدا مجتهد بناء على أن أحدا قد أخبرك بذلك ولكنه لم يكن كذلك، أنت هنا صادق وفق اعتقادك. لكن الخبر غير صادق في الواقع. إذن ففيه فرق بين صدق الخبر وصدق المخبر. فإذا التقى الاعتقاد بالواقع صدق الخبر وصدق المخبر. وإذا كان الخبر موافقا للواقع ومخالفا للاعتقاد فالخبر صادق كموقف المنافقين الذين قال الحق فيهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٨٢