تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فقال له: وعليك: فقال له الرجل: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي، فقال: إنك لم تدع لنا شيئا قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " " فرددناها عليك " ".

وعندما تكلم العلماء في مسألة السلام، صنفوا لها فقالوا: الماشي يسلم على القاعد. والراكب يسلم على الماشي، والصغير يسلم على الكبير. والمبصر يسلم على الكفيف. والقليل يسلم على الكثير. وكل خطاب موجه للمؤمنين ينتظم ويشمل ذكورهم وإناثهم إلا أن يكون الحكم مما يخص النساء. وهنا يقول الحق: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ.. ﴾ [النساء: 86] أللنساء تحية؟ نعم، لهن تحية، المرأة تحيي المرأة، والمرأة تحيي زوجها، والمرأة تحيي محارمها، والمرأة العجوز التي لا إربة فيها تبدأ التحية وتردها، أما المرأة الشابة فهي لا تبدأ أحدا بالسلام ولا ترد السلام. لا تبدأ بالسلام إلا إذا كان معها مثلها لأنهم يقولون: المرأة على المرأة عين أكثر من ألف رجل، أي أن المرأة تحرس المرأة أكثر من ألف رجل، فعندما تكون معها مثيلتها تحفظها، ولذلك يقال: إن المرأة إن بدأت بالسلام أو ردت السلام فذلك حرام، وإذا بدأها واحد بالسلام أو رد عليها السلام فذلك مكروه. لماذا؟ لأن بدءها له إثارة، ولكنه إذا بدأ هو بالسلام فليس ضروريا أن تستجيب. فإن كان معها أحد أو جماعة تؤمن عليها فلا حرج من أن ترد السلام. وقالوا: وإذا كان الذي يلقى السلام ويبدأه به من غير مؤمن؟ النبي عليه الصلاة والسلام أوضح أنهم يلوون في الكلام، فإذا قالوا لكم: " السلام " فقولوا: وعليكم. وذلك يعني إن قالوها كلمة طيبة لها معنى طيب فأهلا بها وعليهم مثلها، وإن كانت كلمة خبيثة كقولهم: " السام عليكم " فقولوا: " وعليكم " لأن السام معناها الموت، فلكيلا يستهزئوا بكم، قولوا: وعليكم. وبعض العلماء قال المقصود ب " فحيوا بأحسن منها " أي بالنسبة للمؤمن، و " ردوها " بالنسبة للكافر. لكن أتلك هي التحية فقط؟. إذا كان الذي حياك بقول وأمنك بقول، فكيف لا تحذر من يؤمن بالقول نفاقا، يظهر لك الأمن ثم يقول: السلام عليكم، ومعه الضر؟. كما أن الحق علمنا أن نرد التحية بمثلها لأن نقل القضايا من قولية إلى فعلية هي المحك والأساس، فإذا حياك إنسان بخير عنده فعلى المسلم أن يقدم التحية بخير منها، وإن لم يستطع فليرد على الأقل بمثلها، وعندما يرد الإنسان بمثلها يصبح التكارم بين الناس إن لم يزد فهو لم ينقص، ويكون الخير متناميا، فإذا قدم إنسان خيرا لإنسان آخر، ورد عليه بعمل أفضل منه، ففي ذلك نماء للخير، وإن لم يستطع فليرد بمثل العمل وبذلك لا ينقص من خيره، فيكون خير كل إنسان محجوزا على نفسه لأنه ما دام سيعطي التحية ويأخذ على قدر ما يعطي، فكأنه لم ينقص من خيره شيئا.

والحق سبحانه وتعالى حين يسخى النفوس في أن تعطي أكثر مما حييت به، فهذا يبين أن المؤمن في البيئة الإيمانية إنما يتكاثر خيره، لأنه كلما فعل خصلة خير فهي تعود عليه بالخير. ولذلك فهناك أناس كثيرون إذا أرادت خيرا من أحد، أعطته خيرا يناسب قدرها، ليعطي هو خيرا يناسب قدره، وهذه تحدث كثيرا خصوصا مع الملوك، ومثال ذلك: كان المواطن السعودي يقول للملك عبد العزيز آل سعود: أريد أن تشرب القهوة عندي، ويذهب الملك عبد العزيز آل سعود ليشرب القهوة، ويؤدي لصاحب الدعوة خدمة تعادل القهوة مليون مرة، فكل من يحيي الملك يرد عليه التحية بأكثر منها. إذن فقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ.. ﴾ [النساء: 86] وجاءت كلمة ﴿ أو ردوهآ.. ﴾ [النساء: 86] من أجل أن يطمئن من قدم تحية أنه سيجد رد تحيته أو أكثر منها. والحق سبحانه وتعالى عندما يرى خلقه المؤمنين به يتكارمون، فهو يضعها في الحساب لذلك يقول سبحانه: ﴿ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ [النساء: 86] فالحساب لا ينتهي عند أن يرد المؤمن التحية أو يؤدي خيرا منها، ولكن هناك جزاء أعلى وأفضل عند مليك مقتدر. وفي تناولنا لمسألة التحية علمنا أن كلمة التحية وهي " السلام عليكم " معناها أمان واطمئنان، والأمان والاطمئنان كلاهما يعطي الحياة بهجة، فالحياة بدون أمن أو اطمئنان ليس لها قيمة. فكأن إشاعة السلام بقولنا: " السلام عليكم " أو " السلام عليكم ورحمة الله " أو " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " تجعل المجتمع مجتمعا صفائيا، وما دام المجتمع كله مجتمعا صفائيا، فخير أي واحد يكون عند الآخر. ويتعدى ذلك إلى أن يطلب المؤمن خير الله لأخيه المؤمن. إن الإنسان حين يصعد التحية بعد قوله: السلام عليكم " بإضافة " ورحمة الله وبركاته " فهو يربط النفس البشرية برباط إيماني بالحق سبحانه وتعالى. وبذلك تتذكر وتعي أن الخلق عيال الله، وسبحانه يحب أن يكون خلقه منسجمين بالعلاقات الطيبة فيما بينهم، وعندما يكون الخلق على علاقة طيبة بعضهم من بعض فسبحانه يعطيهم من خيره أكثر وأكثر. ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ إن الله كان على كل شيء حسيبا ﴾ [النساء: 86] ومن الطبيعي أن نفهم أن رد التحية يعني أن نقول: تحية مثل التي قالها لنا، فالرد ليس مقصودا به أن نرد التحية نفسها، ولكننا نقول مثلها. فالضمير مبهم ويوضحه مرجعه. مثال ذلك أن تقول: " لقيت رجلا فأكرمته " هنا الضمير مبهم ويوضحه مرجعه، مثال آخر " تصدقت بدرهم ونصفه " فهل معنى ذلك أنني تصدقت بدرهم ثم استرددته وقسمته قسمين وتصدقت بنصفه؟ لا، إن معنى ذلك هو أنني تصدقت بدرهم، ونصف مثل الدرهم، فإذا قال الحق: " فحيوا بأحسن منها أو ردوها " أي ردوا التحية بأفضل منها أو بمثل التي تتلقاها، فإذا ما قيل: " السلام عليكم " فقل " وعليكم السلام ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٧٩