تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. وكذلك الأمة حين تخالف ناموسا شرعيا أو كونيا. لكن لو كانت الأمور فوق طاقة البشر فلا بد أن لله فيها حكمة. وقصة العبد الصالح وموسى مليئة بالحكم. فقد ذهب الاثنان إلى قرية واستطعما أهلها أي طلبا من أهلها طعاما:

حتى إذآ أتيآ أهل قرية استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما..

[الكهف: 77]. ولم يطلب أي منهما نقودا، وذلك حتى لا تثار الظنون السيئة، ولكن طلبا الطعام ليأكلاه. وهو أول الحاجات الضرورية للإنسان. فقالوا لهما: لا لن نعطيكما لأن أهل تلك القرية كانوا لئاما. ولذلك اتجه العبد الصالح إلى جدار يريد أن ينقض فأقامه، فقال سيدنا موسى للعبد الصالح: لماذا لا تأخذ منهم أجرا؟ وأخيرا يوضح العبد الصالح لسيدنا موسى:

وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا

[الكهف: 82]. فأهل القرية اللئام الذي طلب منهم الطعام لم يكونوا قادرين على تحمل أمانة حفظ الكنز للغلامين. فأمر الله العبد الصالح بحجب الكنز عن أهل تلك القرية. إذن، فالمسائل إن جرت على الإنسان بسبب منه فهو الذي فعل الضر بنفسه، أما إذا كان الأمر لا دخل للإنسان فيه فعليه أن يثق بحكمة من يجريه وبذلك يستقبل الإنسان كل شيء يصيبه بالراحة. إن صاحب الإيمان يلقى الأحداث بقلب قوي. فإن كانت من نفسه فهو يعدل سلوكه، وإن كانت من ربه فهو يثق بحكمة ربه ﴿ قل كل من عند الله.. ﴾ [النساء: 78] وهذا إيضاح لك حتى تفهم أن أي فعل هو من عند الله. فليس للإنسان في الطاقة أي فاعلية ولكن للإنسان توجيه المخلوق من طاقات وجوارح إلى الطاعة أو إلى المعصية. وما دام كل من عند الله فهو سبحانه يريد لنا أن نتلو العجب من هؤلاء ونقرأه فيقول سبحانه: ﴿ فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ [النساء: 78] كأن منطق العقل والفكر يقودان إلى ضرورة الفهم. وعندما لا يفهمون ذلك فنحن نستعجب من عدم فهمهم. ولا نستعجب من عدم فهمهم إلا إذا كان الأمر المطروح أمامهم أمرا يستوعبه العقل. والحق يقول: ﴿ لا يكادون يفقهون حديثا ﴾ [النساء: 78] وساعة تقول فلان لا يفقه، فهذا معناه أن عقله ممنوع من الفهم. أما عندما نقول: لا يكاد يفقه. فهو يعني: لا يقرب حتى من الفهم. والقول الثاني هو الأكثر بلاغة. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ مآ أصابك من حسنة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٥٧