قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم
[الأنبياء: 69]. أما لو حدثت المسألة الأولى وانطفأت النار، لقالوا: آه لو لم تنطفئ النار، وآه لو لم ينزل الماء على النار. إن الحق أراد أن يدحض كل دعاوى الخصم. فعندما تحدث أحداث لا دخل للإنسان فيها نقول: دعها لحكمة الخالق لأنه يريد أن يلفت الخلق إلى أنه صاحب اليد العليا في الكون. فميكانيكية الكون تحير العقول لأنها مضبوطة بدقة، ولكنها لم تفلت من يد ربنا. ولذلك نرى في بعض الأحيان رياحا عنيفة تثير الغبار فلا يرى الإنسان شيئا على الإطلاق. ومعنى ذلك أن الذرات تراكمت وتراكبت حتى صارت جدارا، ويحدث ذلك مهما حاولت الأجهزة العلمية التحكم في ذلك أو منعه. ومن العجيب أن الحق يترك لنا لذعة تقول: لقد كرمتك بالعقل ولكني لم أدع لك كل الفهم، فقد يوجد صاحب غريزة لا عقل له ويكون أقدر على فهم الأشياء منك أيها الإنسان. وعندما يحدث زلزال في منطقة ما، فأول ما يخرج من المكان هي الحمير. وهذا لفت للإنسان حتى لا يقع فريسة للغرور:
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. فإذا ما رأيت حدثا في الكون ولا دخل للإنسان فيه ولا للأمم دخل فيه فلتعلم أن لله فيه حكمة حتى يلفتنا إلى المكون الأعلى وحتى لا يظن أحد أن لميكانيكية الكون رتابة، إنما هي نظام يجريه الله على وفق قدرته وإرادته وحكمته. ولذلك يقولون: إن العقل الإلكتروني لا يخطئ، وهم لا يعرفون أن من الخيبة ألا يخطئ، لأنه كما تملؤه وتمده بالمعلومات سيخرج لك هذه المعلومات.
ليس له خيار في شيء. أما العقل البشري فهو قادر على الاستنباط والاستكشاف وعدم ذكر بعض المعلومات التي قد تضر. هذه هي العظمة. ويقول بعضهم - كمثال آخر - إن الورد الصناعي لا يذبل، نقول: إن عيبه أنه لا يذبل لأن الذبول حيوية، وعدم الذبول دليل على أنه لا حياة فيه، وأنه جمود فقط. وساعة يجري الحق سبحانه وتعالى شيئا في كونه ولا دخل لأحد فيه فهو يريد أن يلفت الكون إلى بقاء القيومية العليا والقدرة الإلهية في الكون حتى لا تغتر بميكانيكية الكون. ولذلك يعرض القرآن بصيصا من هذه الأشياء، إذا أخذتها بحكم العقل فهو لا يقبلها، لكن حين يفسرها من أجراها نجدها في منتهى العقل. مثال ذلك: سيدنا موسى عندما ذهب إلى العبد الصالح، ما الذي حدث؟. قال العبد الصالح:
إنك لن تستطيع معي صبرا
[الكهف: 67]. ويلتمس العبد الصالح لموسى العذر فيقول له:
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
[الكهف: 68]. فيقول سيدنا موسى وهو من أولي العزم من الرسل:
قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا
[الكهف: 69]. فيخرق العبد الصالح السفينه. وخرق السفينة في السطحية الفهمية شر، وعلى الرغم من أن سيدنا موسى وعد العبد الصالح بعدم عصيان الأمر وأن يكون صابرا، على الرغم من ذلك لم يطق حادثة خرق السفينة، فقال للعبد الصالح:
أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا
[الكهف: 71]. لقد شك سيدنا موسى في ظاهر الأمر، ولكن عندما يدرك الحكمة يجدها عين الخير. فلو لم يخرق العبد الصالح السفينة لأخذها الملك الظالم الذي يأخذ كل سفينة صالحة وسليمة غصبا:
أوكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
[الكهف: 79]. فلو لم يخرقها العبد الصالح لما استرد أصحاب السفينة سفينتهم، وبالخرق للسفينة ستظل لأصحابها لأن بها عطبا يستطيعون إصلاحه بعد ذلك. إذن، كل شيء يجري على غير ما تشتهيه سطحية الفهم البشري فلنعلم أنها ما دامت ليست من أحد، وهي من المكون الأعلى فوراءها حكمة. وهل يوجد أكثر بشاعة من القتل؟ لقد قتل العبد الصالح غلاما. ما الحكمة في ذلك؟. إن الواحد منا يولد له ابن فيكون قرة عين وسندا، وقد يكون هذا الابن سببا في فساد دين أبيه ويحمله على الكذب والرشوة والسرقة فهذا الابن يقود أباه إلى الجحيم، ومن الخير أن يبعد الله هذا الولد من طريق الوالد فلا يطغى. ويقول قائل: وما ذنب الولد؟ نقول: أنت لا تفهم الأمور، لقد ذهبت إلى الحق بدون تجربة في أن يطيع أو يعصي الله، ذهب إلى رحمة الله مباشرة، وهذا أفضل له. وكان في ذلك القتل للولد رحمة لوالديه فالشيء إن حدث للنفس إن كان من مخالفة الإنسان للناموس فيكون الإنسان هو الذي فعل الضر بنفسه.