ويلقي بنفسه إلى التهلكة، إياك أن تفهمها هكذا، فأنت تدافع عن رسالة ولا بد أن تقاتل عدوك بدون أنك تمكنه من أن يقتلك لأن تمكينه من قتلك، يفقد المسلمين مقاتلا، فكما أن الشهداء لهم فضل فالذين بقوا بدون استشهاد لهم فضل. فالإسلام يريد أدلة صدق على أن دعوته حق، وهذه لا يثبتها إلا الشهداء. لكن هل يمكن أن نصبح جميعا شهداء؟ ومن يحمل منهج الله إلى الباقين؟ إذن فنحن نريد من يبقى ومن يذهب للحرب، فهذا له مهمة وهذا له مهمة، ولذلك كانت " التقية " وهي أن يظهر رغبته عن الإسلام ويوالي الكفار ظاهرا وقلبه مطئمن بالعداوة لهم انتظارا لزوال المانع وذلك استبقاء لحياته كي يدافع ويجاهد في سبيل الله. وسببها أن الإسلام يريد من يؤكد صدق اليقين في أن الإنسان إذا قتل في سبيل الله ذهب إلى حياة أفضل وإلى عيش خير، هذا يثبته الشهيد. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى عندما تأتيهم غرغرة الشهادة يريهم ما هم مقبلون عليه، فيتلفظون بألفاظ يسمعها من لم يقبل على الشهادة فهناك من يقول: هبي يا رياح الجنة، ويقول كلمة يتبين منها أنه ينظر إلى الجنة كي يسمع من خلفه، ومفرد شهداء، إما شهيد وهو الذي قتل في سبيل الله، وإما هي جمع شاهد، فيكون الشهداء هم الذين يشهدون عند الله أنهم بلغوا من بعدهم كما شهد رسول الله أنه بلغهم. والمعاني كلها تدور حول معنى أن يشهد شيئا يقول به وبذلك نعرف أننا نحتاج إلى الاثنين: من يقتل في سبيل الله، ومن يبقى بدون قتل في سبيل الله لأن الأول يؤكد صدق اليقين بما يصير إليه الشهيد، والثاني يعطينا بقاء تبليغ الدعوة فهو شاهد أيضا:
لتكونوا شهدآء على الناس..
[البقرة: 143]. و ﴿ والصالحين.. ﴾ [النساء: 69] والصالح هو المؤهل لأن يتحمل لأن يتحمل مهمة الخلافة الإيمانية في الأرض. فكل شيء يؤدي نفعا يتركه على حاله، وإن أراد أن يزيد في النافع فليرق النفع منه، فمثلا: الماء ينزل من السماء، وبعد ذلك يكون جداول، ويسير في الوديان، وتمتصه الأرض فيخرج عيونا، فعندما يرى عينا للمياه فهو يتركها ولا يردمها فيكون قد ترك الصالح على صلاحه، وهناك آخر يرقى النفع من تلك النعمة فيبني حولها كي يحافظ عليها. إذن فهذا قد أصلح بأن زاد في صلاحه. وهناك ثالث يقول: بدلا من أن يأتي الناس من أماكنهم متعبين بدوابهم ليحملوا الماء في القرب أو على رءوس الحاملين، لماذا لا أستخدم العقل البشري في الارتقاء بخدمة الناس لينتقل الماء إلى الناس في أماكنهم، وهنا يصنع الصهاريج العالية ويصلها بمواسير وأنابيب إلى كل من يريد ماء فيفتح الصنبور ليجد ما يريد.
ومن فعل ذلك يسر على الناس، فيكون مصلحا بأن جاء إلى الصالح في ذاته فزاده صلاحا. ويختم الحق الآية بقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقا ﴾ [النساء: 69]. و ﴿ أولئك.. ﴾ [النساء: 69] تعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ولا توجد رفقة أفضل من هذه، والرفيق هو: المرافق لك دائما في الإقامة وفي السفر، ولذلك يقولون: خذ الرفيق قبل الطريق، فقد تتعرض في الطريق لمتاعب وعراقيل لأنك خرجت عن رتابة عادتك فخد الرفيق قبل الطريق. ونعرف أن الأصل في المسائل المعنوية: كلها منقولة من الحسيات، وفي يد الإنسان يوجد المرفق.. يقول الحق:
فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق..
[المائدة: 6]. وساعة يكون الواحد مرهقا ورأسه متعبا يتكئ على مرفقه ليستريح، وساعة يريد أن ينام ولم يجد وسادة يتكئ على مرفقه أيضا. إذن فالمادة كلها مأخوذة من الرفق، فالرفيق مأخوذ من الرفق و " المرافق " مأخوذة من الرفق لأنها ترفق بالجسم وتريحه، وفي كل بيت توجد المرافق وهي مكان إعداد الطعام وكذلك دورة المياه، وفي الريف تزيد المرافق ليوجد مكان لمبيت الحيوانات التي تخدم الفلاح، وبيوت الفقراء قد تكون حجرة واحدة فيها مكان للنوم، ومكان للأكل، وقد يربط الفقير حماره في زاوية من الحجرة، لكن عندما يكون ميسور الحال فهو يمد بيته بالمرافق المكتملة. أي يكون في المنزل مطبخ مستقل، ومحل لقضاء الحاجة، وحظيرة مستقلة للمواشي، وكذلك يكون هناك مخزن مستقل، وهذه كلها اسمها " مرافق " لأنها تريح كل الناس. إذن فقوله: ﴿ وحسن أولئك رفيقا ﴾ [النساء: 69] مأخوذة من الرفق وهو: إدخال اليسر، والأنس، والراحة، ويكون هذا الإنسان الذي أطاع الله ورسوله بصحبة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. قد يقول قائل: كيف يجتمع كل هؤلاء في منزلة واحدة على الرغم من اختلاف أعمالهم في الدنيا، أليس الله هو القائل: