ومن الذي يفصل؟. إنه سيدنا رسول الله بحكم قول الحق: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65]، فالإيمان ليس قولة تقال فحسب وإنما هو قولة لها وظيفة، فأن تقول: لا إله إلا الله وتشهد أن محمدا رسول الله فلا بد أن لهذا القول وظيفة، وأن تحكم حركة حياتك على ضوء هذا القول، فلا معبود إلا الله، ولا آمر إلا الله، ولا نافع إلا الله، ولا ضار إلا الله، ولا مشرع إلا الله، فهي ليست كلمة تقولها فقط! وينتهي الأمر، ثم عندما يأتيك أمر يحتاج إلى تطبيقها تفر منه. ﴿ فلا وربك لا يؤمنون.. ﴾ [النساء: 65] بمنهج الإسلام ﴿ حتى يحكموك.. ﴾ [النساء: 65] فهذا هو التطبيق ﴿ فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] ولا يصح أن يحكموك صوريا، بل لا بد أن يحكموك برضا في التحكيم، ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا.. ﴾ [النساء: 65] أي ضيقا ﴿ مما قضيت.. ﴾ [النساء: 65]. فعندما يحكم رسول الله لا تتوانوا عن حكمه ولا تضيقوا به ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ [النساء: 65] أي يذعنوا إذعانا. إذن فالإيمان لا يتمثل في قول يقال وإنما في توظيف ذلك القول. بأن تلجأ إليه في العمليات الحركية في الحياة، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون.. ﴾ [النساء: 65] حتى يترجم الإيمان إلى قضية واقعية اختار الحق لها أعنف ساعات الحرج في النفس البشرية وهي ساعة الخصومة التي تولد اللدد والميل عن الحق، ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا.. ﴾ [النساء: 65] لأنه قد يجد حرجا ولا يتكلم. وانظروا إلى الثلاثة: الأولى:
ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك..
[النساء: 64]، هذه واحدة،
فاستغفروا الله..
[النساء: 64] هذه هي الثانية،
واستغفر لهم الرسول..
[النساء: 64] هذه هي الثالثة، هذه ممحصات الذنوب، والذي يدخلك في حظيرة الإيمان ثلاثة أيضا: ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم.. ﴾ [النساء: 65] هذه هي الأولى، ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت.. ﴾ [النساء: 65] هذه هي الثانية، و ﴿ ويسلموا تسليما ﴾ [النساء: 65] هذه هي الثالثة. إذن فالقولان في رسول الله صلى الله عليه وسلم: دخول حظيرة إيمان، وخروج من غل ذنب. وهنا وقفة لا أبالغ إذا قلت: إنها شغلتني أكثر من عشر سنين، هذه الوقفة حول قول الله:
ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما
[النساء: 64] ذلك يا رب تمحيص من عاصر رسولك صلى الله عليه وسلم، فما بال الذين لم يعاصروه؟ فأين الممحص الذي يقابل هذا لمن لم يعاصر حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، والرسول إنما جاء للناس جميعا، فكيف يوجد ممحص لقوم عاصروا رسول الله ثم يحرم من جاءوا بعد رسول الله من هذا التمحيص؟ هذه مسألة ظلت في ذهني ولا أجد لها جوابا، إلا أني قلت: لقد ثبت عندي وعند بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطمئنا المؤمنين في كافة العصور: حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا أنا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم.
انظر إلى التطمين في قوله صلى الله عليه وسلم:
" تعرض علي أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله، وإن رأيت غير ذلك استغفرت لكم ".
فاستغفار الرسول لنا موجود. إذن فما بقي منها إلا أن نستغفر الله، وما بقي إلا
جآءوك..
[النساء: 64] أي يجيئون لسنتك ولما تركت منها فصلى الله عليه وسلم هو القائل:
" تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض ".
فكما كان الأحياء يجيئونه، فنحن نجيء إلى حكمه وسنته وتشريعه، وهو يستغفر لنا جميعا، إذن فهذه منتهية، فبقي أن نستغفر الله قائلين: نستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه، نفعل ذلك إن شاء الله. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ [النساء: 65] أي لا يجدوا حرجا عندما يذعنون لأي حكم تكليفي أو حكم قضائي، والحكم التكليفي نعرفه في: افعل ولا تفعل، أما الحكم القضائي فهو عندما يتنازع اثنان في شيء وهذا يقتضي أن نقبل الحكم في النزاع إذا ما صدر عن رسول الله أو عن منهجه. إذن فلا بد أن نسلم تسليما في الاثنين: في الحكم التكليفي، وفي الحكم القضائي. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ولو أنا كتبنا عليهم... ﴾.