ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم..
[النساء: 83]. إذن فقد يكون المراد بأولي الأمر " العلماء ". نقول: إن الآية الأولى عامة وهي التي جاءت بها طاعة ولي الأمر ضمن طاعة الله والرسول، والثانية التي تخص الاستنباط يكون المقصود بأولي الأمر هم العلماء.
وأولوا الأمر في القضية الأولى التي عندما نتنازع معهم في أمر نرده إلى الله والرسول هم الذين يشرفون على تنفيذ أحكام الله، وهذه سلطة تنفيذية، أما سلطة العلماء فهي تشريعية إيمانية. ﴿ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. ﴾ [النساء: 59] إذن فالذي لا يفعل ذلك يجازف بأن يدخل في دائرة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، ونقول لكل منهم: راجع إيمانك بالله واليوم الآخر - ابتداء في تلقي الحكم، وإيمانا باليوم الآخر - لتلقي الجزاء على مخالفة الحكم، فالحق لم يجعل الدنيا دار الجزاء. وينبهنا الحق في ختام الآية: ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ [النساء: 59] أي في ذلك خير للحكام وللمحكومين معا لأن الخير هو أن يقدر الإنسان ما ينفعه في الدنيا والآخرة، وكل شهوة من الشهوات إن قدرت نفعها فلن تنفعك سوى لحظة ثم يأتي منها الشر. والتأويل هو: أن ترجع الأمر إلى حكمه الحقيقي، من " آل " يئول إذا رجع ﴿ وأحسن تأويلا ﴾ [النساء: 59] تعني أحسن مرجعا وأحمد مغبة وأجمل عاقبة لأنك إن حرصت بما تريد على مصالح دنياك، فما ترجع إليه سيكون فيه شر لك. إذن فالأحسن لك أن تفعل ما يجعلك من أهل الجنة، أو ﴿ وأحسن تأويلا ﴾ [النساء: 59] في الاستنباط، لأن العلماء سيأخذونه من منطلق مفهوم قول الله وقول الرسول، وأنت ستأخذها بهواك، وفهمك عن الله يمنعك من الشطط ومن الخطأ. فإن كنتم تريدون الخير فلاحظوا الخير في كل أحيانه وأوقاته، ولا ينظر الإنسان إلى الخير ساعة يؤدي له ما في هواه، ولكن لينظر إلى الخير الذي لا يأتي بعده شر. وإذا ما نظرنا تاريخ الكثير من الحكام ووجدناهم قد أمنوا على انتقادهم في حياتهم بما فرضوه من القهر والبطش، فلما ماتوا ظهرت العيوب، وظهرت الحملات، إن الواجب على من يحكم أن يعتبر بما سمع عمن حكم قبله فالذي حكم قبله كمم الأفواه وكسر الأقلام، وبعدما انتهى، طالت الألسنة وكتبت الأقلام، فيجب أن نحسن التأويل وأن ننظر إلى المرجع النهائي، فمن استطاع أن يحمي نفسه في حياته بسطوته وجبروته لا يستطيع أن يحمي تاريخه وسمعته، إنه بعد أن انتهت السطوة والجبروت قيل فيه ما قيل، ونحن مازلنا في الدنيا ولم نذهب إلى الآخرة بعد فإذا كان هذا هو جزاء الخلق. فما شكل جزاء الحق إذن؟! ﴿ ذلك خير وأحسن تأويلا ﴾ [النساء: 59] أي مرجعا وعاقبة. ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون... ﴾.