لكن أن تأمر بأمر ليس لك فيه فائدة فهذا قمة العدل. وقد يوجد إنسان يأمر بما لا فائدة له فيه، لكنه قد لا يكون واسع العلم ولا واسع الحكمة، والأمر هنا يختلف لأن الله سبحانه وتعالى ليس له مصلحة في الأمر، هذه واحدة، وأيضا فهو - سبحانه - واسع العلم والحكمة لذلك كانت هذه العظة مقبولة جدا، وهي نعمة من الله وأما ما عداها فبئست العظة لأن الله لا ينتفع بأمره هذا وهو مأمون على العباد جميعا، والثانية: أنه قد يوجد غير لا ينتفع بالأمر ولكنه قاصر العلم وقاصر الحكمة فلا نعمت العظة منه، فقوله: ﴿ إن الله نعما.. ﴾ [النساء: 58] يعني: نعم ما يعظكم به الله أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن تحكموا بالعدل. ونلحظ الأداء البياني في القرآن في قوله: ﴿ تؤدوا.. ﴾ [النساء: 58] هذه للجماعة، وهذا يعني أن كل واحد مطالب بهذا الحكم أولا، ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. ﴾ [النساء: 58]، فيكون كل واحد مطالبا بالحكم أيضا، كأن مهمتكم الأمانية ليست مقصورة على أن تصونوا حقوقكم بينكم وبين أنفسكم، لا، فأنتم مكلفون بأن تصونوا الحقوق بين الناس والناس ولو لم يكونوا مؤمنين. إن قوله: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس.. ﴾ [النساء: 58]. يفهم منها أيضا حماية حقوق من آمن بالإسلام ومن لم يؤمن بدين الإسلام لأن الحق جل وعلا يريد منا أن نؤدي الأمانة إلى " أهلها " ، ولم يقل ﴿ أهلها.. ﴾ [النساء: 58] المؤمنين أو الكافرين. إن كلمة ﴿ الناس.. ﴾ [النساء: 58] هذه تدل على عدالة الأمر من إله هو رب للجميع، فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان للدنيا، والإنسان منه مؤمن ومنه كافر. لكن أحدا لا يخرج عن نطاق الربوبية لله، فربنا يرب ويرعى كل إنسان - مؤمنا كان أو كافرا - هو يرزق الجميع ولذلك أمر الكون: يا كون أعط من فعل الأسباب الغاية من المسببات إن كان مؤمنا أو كافرا، وهذا هو عطاء الربوبية، إنه - سبحانه - رزق الإنسان وسخر الأشياء له، فهو لم يسخر الكون للمؤمن فقط وإنما سخره للمؤمن وللكافر، فكذلك طلب منا أن نؤدي الأمانة للمؤمن والكافر، وطلب منا أن نعدل بين المؤمن والكافر. ولنا في الرسول صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد حدث أن " طعمة ابن أبيرق " أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه " قتادة بن النعمان " ، في جراب دقيق والإثنان مسلمان، إلا أن منافذ الحق لمرتكب الجريمة ضيقة مهما ظن اتساعها، مثلما نقول: " الجريمة لا تفيد " ، فوضع الدرع المسروقة في جراب كان فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتثر من خرق في الجراب وهو يسير من بيت قتادة بن النعمان وخبأ الدرع عند يهودي اسمه " زيد بن السمين " ، فلما فطن قتادة بن النعمان لضياع الدرع قال: سرق الدرع.
سرق الدرع. فتتبعوا الأثر فوجدوه إلى بيت طعمة ابن أبيرق، فحلف ما أخذها وما له بها علم فتركوه. فتتبعوا الأثر ثانية فوجدوا الدرع عند اليهودي " زيد بن السمين " فقال اليهودي دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود، ورفع الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء بنو ظفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل وأن يعاقب اليهودي فأنزل الله عليه حكمه الفصل:
إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما * ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما
[النساء: 105-107]. أي لا تكن يا محمد مدافعا عن الخائنين واستغفر الله إن كان هذا الخاطر قد جال برأسك بأن ترفع رأس مسلم على يهودي لأن الحق أولى من المسلم فما دام هو قبل أن يخون فلا تجادل عنه، ولماذا طلب بنو ظفر التغاضي عن جريمة مسلم وإلصاقها بيهودي؟ أيستخفون من الناس ولا يستخفون من الله؟ وافرض أن هذه برأتهم عند الناس. أتبرئهم عند الله؟ ويقول في آية أخرى: