تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعطينا سبحانه أيضا صورة من النعيم الذي يوجد عندنا في الدنيا لكنه يزول أيضا أو نزول نحن عنه: ﴿ لهم فيهآ أزواج مطهرة.. ﴾ [النساء: 57] وأزواج جمع " زوج " ، وعندما يصف الحق سبحانه وتعالى جمعا فهو يأتي في الصفة بجمع أيضا مثل قوله:

وقدور راسيات..

[سبأ: 13]. لأن ﴿ وقدور ﴾ جمع " قدر " ولم يقل هنا: وأزواج مطهرات وجاء بها مفردة لأن الرجل في الدنيا قد يتزوج بأكثر من واحدة فينشأ بين الزوجات المتعددات ظلال الشقاق فكأنهن متنافرات، فقال: إنهن كلهن سيكن أزواجا على صورة واحدة من الطهر، وليس في أي منهن ما يعكر صفو الأزواج كما يكون الأمر في الدنيا، ولا يقولن واحد: " كيف تقبل المرأة أن يكون لها ضرة في الآخرة؟ " لأن الحق سبحانه نزع من الصدور كل ما كان يكدر صفو النفوس في الدنيا فقال:

ونزعنا ما في صدورهم من غل..

[الأعراف: 43]. إذن: فكأنهن - وإن تعددن - في سياق واحد من الطهر مما لا يعكر صفو الزوج، إنه يعجبك شكلها، ستعجبك أخلاقها ليس فيها عيب ولا نقص مما كان يوجد في الدنيا إنها مطهرة من ذلك كله. إذن: فهو يعطيني خلاصة ما يمكن أن يتصور من النعيم في الأزواج. ويكمل الحق: ﴿ وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ [النساء: 57]. ولغة العرب إذا أرادت أن تؤكد معنى فهي تأتي بالتوكيد من اللفظ نفسه، فيقول العربي مثلا: " هذا ليل أليل " أي ليل حالك، وعندما يبالغ في " الظل " يقول: " ظليل ". وما هو " الظل "؟. " الظل " هو: انحسار الشمس عن مكان كانت فيه أو لم تدخله الشمس أصلا كأن يكون الإنسان داخل كهف أو غار مثلا. إن كلمة ظل ظليل يعرفها الذين يعيشون في الصحراء، فساعة يرى الإنسان هناك شجرة فهو يجلس تحتها ويتمتع بظلها، والظل نفسه قد يكون ظليلا، مثال ذلك " الخيام المكيفة " التي يصنعونها الآن، وتكون من طبقتين: الطبقة الأولى تتعرض للشمس فتتحمل السخونة، والطبقة الثانية تحجز السخونة، ويسمون هذا السقف " السقف المزدوج ". ويوجد خاصة في الأماكن العالية لأن الشقة على سبيل المثال التي تعلوها أدوار تكون محمية، لكن الشقق الموجودة في آخر دور خصوصا في البلاد الحارة تكون السخونة فيها صعبة وشديدة لذلك يصنعون سقفا فوق السقف، وبذلك يكون الظل نفسه في ظل. ولماذا الإنسان يسعد بالظل تحت شجرة أكثر من سعادته بالظل في جدار؟ لأن الظل في جدار مكون من طبقة واحدة، صحيح أنه يمنع عنا الشمس لكنه أيضا يحجب الهواء، لكن الجلوس في ظل الشجرة يتميز بأن كل ورقة من أوراق الشجرة فوقها ورقة، وأوراقها بعضها فوق بعض، وكل ورقة في ظل الورقة الأعلى.

ولأن كل ورقة خفيفة لذلك يداعبها الهواء، فتحجب عن الجالس تحت الشجرة حرارة الشمس، وتعطيه هواء أيضا، هذا هو معنى قوله: ﴿ ظلا ظليلا ﴾ [النساء: 57]. ولذلك فعندما أراد الشاعر أن يصف الروضة قال:

وقانا لفحة الرمضاء واد

سقاه مضاعف الغيث العميم

نزلنا دوحه فحنا علينا

حنو المرضعات على الفطيم

وأرشفنا على ظمأ زلالا

ألذ من المدامة للنديم

يصد الشمس أنى واجهتنا

فيحجبها ويأذن للنسيم

والشاعر هنا يصف الموقف حين يسير الإنسان في صحراء ثم ينزل في واد به دوح وهذا الدوح يحنو على الإنسان حنو الأم على طفلها في سن الفطام. وأنه قد سقاهم من مائه ما يلذ. وتصد الشمس عنهم الأشجار الكثيفة ولكن النسيم يمر بين أوراق الشجر. وهكذا نفهم أن كلمة " ظل ظليل " ، أي: أن الظل في ذاته مظلل. وبعد أن تكلم الحق عن الغايات التي تنتظر الصنفين من خلقه: الصنف الذي يتأبى على منهج الله، والصنف الذي يتطامن لمنهج الله: الصنف الأول أعد له الله النار التي تشوي جلوده ويبدله جلودا غيرها ليذوق العذاب، والصنف المؤمن الذي أعد الله له الجنة ذات المواصفات المذكورة. وبعدما يجعل الغاية واضحة في ذهننا من الكلام عن النار والكلام عن الجنة يلفتنا إلى حكم جديد لأن النفس تكون كارهة للنار ومحبة للجنة، وعندما يأتي حكم جديد تتعلق النفس به وتنفذه لأنها قريبة العهد، بالترهيب من النار والترغيب في الجنة، فيجعل الحق هذا الأمر مرة تذييلا لما تقدم، ومرة أخرى يجعله تمهيدا لما يأتي كي تستقبل الأحكام الجديدة في ذهنك وتتضح لك الغاية التي تنتظر من التزم، والغاية التي تنتظر من انحرف. وعندما يأتي الحكم والغاية متضحة في الذهن ومهيئة للإنسان فالتكليف يوضع في بؤرة الشعور لأن هناك حاجات كثيرة تعلمها النفس البشرية، ورحمة الله بالخلق أن هذا الرأس الذي فيه حافظة، وفيه ذاكرة، وفيه مخيلة، لا يقدر أن يستوعب كل المعلومات في بؤرة الشعور مرة واحدة، ولا يمكن أن يجيء لك معنى جديد إلا إذا تزحزح المعنى الذي كنت مشغولا به في ذهنك قليلا عن بؤرة الشعور وذهب إلى حاشية الشعور، فإن بقي المعنى في مكانه فلن يأتي لك خاطر جديد. إذن فبؤرة الشعور هي التي فيها ما أنت الآن بصدده فلا يمكن أن تتداخل الأفكار في البؤرة الشعورية، ولذلك عندما تريد أن تستدعي حاجة في بؤرة الشعور. فالمعاني تتداعى كي تأتي بما في حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. وساعة يأتي ما تريده في بؤرة الشعور يذهب الخاطر الأول. إياك أن تظن أن العقل البشري يستطيع أن يواجه في بؤرة الشعور كل المعلومات، لا، فمن رحمة الله أنه وضع لشعورك نظاما تخزن فيه معلوماتك، ولذلك فأنت قد تتذكر حاجة من عشر سنوات، فإذا كانت قد ذهبت من فكرك فكيف تذكرتها؟.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٠٨