36.66
قوله تعالى: ﴿ ولو نشآء لطمسنا على أعينهم ﴾؛ أي ولو نشاء ذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شقا ولا جفنا، والمعنى: ولو نشاء لأعميناهم في أسواقهم ومجالسهم بتكذيبهم إياك يا محمد كما فعلنا بقوم لوط حين راودوه عن ضيفه. وقوله تعالى: ﴿ فاستبقوا الصراط ﴾؛ فغلبوا السبق وتبادروا إلى الطريق إلى منازلهم، ﴿ فأنى يبصرون ﴾؛ لو فعلنا ذلك بهم.
36.67
قوله تعالى: ﴿ ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم ﴾؛ أي في منازلهم فصيرناهم قردة وخنازير وحجارة ليس فيها روح، ﴿ فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ﴾؛ أي لا يقدرون على ذهاب ومجيء، والمسخ في اللغة نهاية التبديل.
36.68
قوله تعالى: ﴿ ومن نعمره ننكسه في الخلق ﴾؛ أي ومن نطول عمره في الدنيا نرده إلى الحالة الأولى من الضعف، قال الزجاج: (معناه: من أطلنا عمره نكسنا خلقه، فصار بدل القوة ضعفا، وبدل الشباب هرما) ﴿ أفلا يعقلون ﴾؛ أن القادر على رد البشر من حالة القوة والكمال؛ أي حال الضعف وزوال العقل، قادر على إعادة الخلق بعد الموت.
ومن قرأ (تعقلون) بالتاء فهو على مخاطبة الكفار. قرأ عاصم وحمزة والأعمش: (ننكسه) بالتشديد، وقرأ غيرهم بالتخفيف وفتح النون.
36.69-70
قوله تعالى: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾؛ إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه شاعر، وإن القرآن شعر، فأكذبهم الله بقوله تعالى ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ أي وما يتسهل له ذلك، وما كان يتزن له بيت شعر جرى على لسانه منكرا.
قال الحكيم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بقول العباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العب
د بين الأقرع وعيينة
قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو بين عيينة والأقرع، فقام إليه أبو بكر وقبل رأسه وقال: صدق الله ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾.
وعن الحسن رضي الله عنه:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت: " كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا " فقال أبو بكر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال الشاعر (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) فقال عمر رضي الله عنه: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ ".
وعن عائشة رضي الله عنها؛
" أنها سئلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان الشعر أبغض الحديث إليه، ولم يتمثل بيتا من الشعر إلا بيت طرفة: " ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". فقال أبو بكر: ليس هذا هكذا يا رسول الله، إنما هو: ويأتيك بالأخبار من لم تزود، فقال: " إني لست بشاعر وما ينبغي لي الشعر " ".
قوله تعالى: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ﴾؛ أي ما القرآن إلا ذكر وموعظة، فيه الفرائض والحدود والأحكام، ﴿ لينذر من كان حيا ﴾؛ قرأ نافع وابن عامر بالتاء، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء، يعني لينذر القرآن من كان حيا، يعني مؤمنا حي القلب، لأن الكافر كالميت في أنه لا يتدبر ولا يتفكر، ﴿ ويحق القول على الكافرين ﴾؛ أي وتجب الحجة بالقرآن على الكافرين.