ثم إن أهل المدينة قالوا: ليس الرسل بأولى بالنبوة منا فيما تقولون، قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا البلاغ المبين، أي ليس علينا إلا التبليغ البين.
فقال القوم للرسل: إنا تطيرنا بكم، أي تشاءمنا منكم، وقد كان حبس عنهم المطر، فقالوا ما أصابنا هذا الشر إلا من قبلكم ﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ أي لئن لم تنتهوا من مقالتكم هذه لنقتلنكم رجما وليمسنكم منا عذاب، يعنون القتل والضرب.
فقالت لهم الرسل: ﴿ طائركم معكم ﴾ أي شؤمكم معكم وهو كفركم بالله تعالى. قوله تعالى: ﴿ أئن ذكرتم ﴾ معناه لئن وعظتم بمواعظ الله تشاءمتم بنا بما لا يوجب التشاؤم ولكن أنتم قوم مسرفون، متجاوزون عن الحد في الذنب والمعصية.
قوله تعالى: ﴿ وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى ﴾ يعني حبيبا النجار (قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون) أي من لا يسألكم أموالكم على ما جاءكم به من الهدى، فقالوا له: أتبعتهم أنت يا حبيب؟ قال: نعم (وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) في الآخرة.
ثم أنكر عليهم اتخاذ الأصنام وعبادتها، فقال: ﴿ أأتخذ من دونه آلهة ﴾ ، كما اتخذتم، ﴿ إن يردن الرحمن بضر ﴾ ، في جسدي أو في معيشتي، ﴿ لا تغن عني ﴾ ، لا تنفع عني، ﴿ شفاعتهم شيئا ﴾ ، يعني لا شفاعة لها، ﴿ ولا ينقذون ﴾؛ أي ولا يخلصون من ذلك المكروه ولا من عذاب الله، قوله تعالى: ﴿ إني إذا لفي ضلال مبين ﴾ ، إن عبدت غير الله كنت إذا في الخاطئين، ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾؛ مقالتي.
وقيل: إن قوله ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ خطاب المرسل، قال لهم اسمعوا كلامي لتشهدوا لي به في الآخرة، فلما قال هذا وثب عليه قومه وثبة رجل واحد فقتلوه، قال ابن مسعود: (ووطؤه بأرجلهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، فأدخله الله الجنة فهو حي فيها يرزق)، وذلك قوله تعالى: ﴿ قيل ادخل الجنة ﴾؛ فلما دخلها، ﴿ قال يليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ﴾؛ تمنى أن يعلموا أن الله غفر له ليرغبوا في دين الرسل، والمعنى: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي وإكرامه إياي بإدخاله لي الجنة.