تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15.88

قوله تعالى: ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ﴾؛ أي لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما أعطينا من الأموال رجالا من بني قريظة والنضير وغيرهم من قريش، فإن ما نعطيك من النبوة والقرآن أعظم مما أعطيناهم من الأموال، ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾؛ بما أنعمنا عليهم من ما لم ننعم به عليك.

ويقال: لا تحزن على هلاكهم إن لم يؤمنوا، وهذا القول أقرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يجوز أن يحسد أحدا بما أنعم الله به عليه من نعيم الدنيا، وإنما كان يحزن على إصرارهم على الكفر. قوله تعالى: ﴿ واخفض جناحك للمؤمنين ﴾؛ أي تواضع، وألن جناحك للمؤمنين؛ لكي يتبعك الناس على دينك، ولا ينفروا من عندك.

15.89-93

قوله تعالى: ﴿ وقل إني أنا النذير المبين ﴾؛ أي المعلم بموضع المخافة، المبين لكم بلغة تصدقونها. قوله تعالى: ﴿ كمآ أنزلنا على المقتسمين ﴾؛ قال الحسن: (معناه: وأنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين وهم اليهود والنصارى). سماهم مقتسمين؛ لأنهم اقتسموا كتب الله تعالى، فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، وهم، ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾؛ أي فرقوه فآمنوا ببعضه وهو ما وافق دينهم، وكفروا ببعضه وهو ما خالف دينهم.

وقال بعضهم: رهط من أهل مكة، قال مقاتل: (ستة عشر رجلا بعثهم الوليد ابن المغيرة أيام الموسم، فاقتسموا الأعقاب، وقعدوا على طريقها، فإذا جاء الحجاج قال فريق منهم: لا تغتروا بهذا الخارج منا المدعي النبوة فإنه مجنون، وقالت طائفة أخرى على طريق أخرى: إنه كاهن، وقالت طائفة أخرى: شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما، فإذا سئل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صدق أولئك يعني المقتسمين).

قوله تعالى: ﴿ الذين جعلوا القرآن عضين ﴾ هم هؤلاء المقتسمين جزءوا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: كذب، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: أساطير الأولين، وقال بعضهم: مفترى. ومعنى التعضية: التفريق، يقال: عضيت الشيء إذا فرقته. قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾؛ أي في الآخرة، ﴿ عما كانوا يعملون ﴾؛ من تفريق القرآن، وصرفهم الناس عن دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية قال:

" فوربك لنسألنهم يوم القيامة عن قول لا إله إلا الله "

وقال عبدالله: (والذي لا إله غيره ما منكم أحد إلا ويسأله الله يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم ماذا عملت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين).

واعترضت الملحدة على هذه الآية، وعلى قوله تعالى

فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن

[الرحمن: 39] وحكموا عليهم بالتناقض!

والجواب: إنه لا يقال لهم هل عملتم كذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن نقول لهم: لم عملتم كذا، وقال قطرب: (السؤال على ضربين: سؤال استعلام واستخبار، وسؤال تقرير وتوبيخ، فقوله تعالى:

فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن

[الرحمن:39] يعني لا يسألهم سؤال استخبار؛ لأنه عالم قبل أن يخلقهم، وقوله تعالى: ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ سؤال تقرير وتقريع).

التفسير الكبير · الصفحة ١٠٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٠٠٧