المتضادين في كلمة واحدة. إنه إن كانت الآية حقا كان الاجتهاد باطلا، وقال: إن لله سبحانه أسرارا لا يقف عليها إلا الأولياء، فنحن على ذلك السر ندور، وعلى باب من هو عنده نطوف. فإن قلنا إنه- حرسه الله- من أصحابه بدعوى صحته في دينه وعقله ومرض الناس على موجب قوله، قال: لا رشد عندي، فنظمه في هذا المعنى يناقض نثره، ونثره يخالف نظمه، فكيف الحيلة؟ ثم قال إن البيت المقول:
غدوت مريض العقل والدين فالقني لتعلم أنباء العقول الصحائح
يؤدي معناه البيت الثاني:
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالما ولا تبغ قوتا من غريض الذبائح
فكان مرض الدين والعقل من جهة أكل اللحوم وشرب الألبان وتناول العسل، فمن ترك هذه المطاعم كان صحيحا دينه وعقله، وهو يعلم أن مصحة الأديان والعقول لا تقوم بذلك، ولا يجوز أن يكون هذا البيت الثاني ناسخا لحكم الأول، فيكون محصول دعواه في فقر الناس إلى أن يصح دينهم وعقلهم هو أن يقول لهم: لا تأكلوا اللحم واللبن.
وأما قوله: إن الحيوان البحري كاره أن يخرج إلى البر وأنه ليس يقبح في العقول ترك أكله، وإن كان حلالا، لأن المتدينين لم يزالوا يتركون ما لهم طلق، فما من حيوان بحري ولا بري هو أجل من هذا الانسان الحي العاقل، وهو كاره للموت، فيموت، وكاره لأن يأكله شيء، والدود تأكله في قبره، فإن كان ذلك صادرا عن موضع حكمة كان ما ذكره من الحيوان البري والبحري جاريا في مضمار هذا مثلا بمثل، وان كان معدولا به عن وجه الحكمة كان محالا أن يكون صانعي سفيها، وأكون وأنا مصنوعه حكيما.
وأما قوله إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى أن تقرحت قدماه، فقيل له فيه فقال: أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا، فما هذا مما نحن عليه في شيء، والانسان له أن يصلي ما شاء من الصلوات في الأوقات التي تجوز فيها الصلاة على أن لا يزيد في الفرائض ولا ينقص منها، وهذا الكلام شرعي، وكانت النصبة للتكلم على العقليات.
وأما قوله إنه عليه السلام حرم صيد الحرم، وان لغيره أن يحرم صيد الحل تقربا