وأفضلهم وأولاهم بحمل أمانة التشريع، والقيام بعهدة التبليغ {الله أعلم حيث
يجعل رسالته} (الأنعام: 124) .
ثم إن من أمعن النظر فيما كتبه عن المعجزات نفسها، وما أقامه من ميزان
العدل والنصفة بينها، أدرك أن ليس فيما ظهر على يد المسيح عيسى بن مريم منها
ما يعلو به عن مقام النبوة والرسالة أبدا {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت
من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} (المائدة: 75) ثم أدرك أن
القرآن هو الآية الإلهية الكبرى، والمعجزة الدينية العظمى، بل هو معجزة
المعجزات، وآية الآيات، ولولاه لانمحى رسم تلك الخوارق من الأذهان.
ألا ليت دعاة النصرانية المبشرين الذين يسعون لتنصير مسلمي الأرض وهم
مئات الملايين، ويبغون زوال القرآن (وقد تولى الله حفظه) من الوجود، ليتهم
يعلمون أن أمة القرآن التي دانت به وأذعنت لحكمه، ولم تلتفت إلى شيء غيره، قد
شهدت ببراءة العذراء البتول، وابنها المسيح الرسول، من مفتريات أعدائهم اليهود،
وآمنت عن طريق القرآن وحده بكل ما ورد من معجزات الرسل وآياتهم، وأن
القرآن لو زال لا قدر الله تعالى من الأرض فإن أمة القرآن لا تؤمن لأحد بعد
(الوحي المحمدي) بنبوة ولا رسالة، ولا تعتقد بنزول وحي من السماء على أحد من
الأنبياء، فإيمانهم بالقرآن إيمان بسائر كتب الله، وتصديقهم بخاتم النبيين تصديق
بسائر رسل الله، وكفرهم بالقرآن كفر بجميع الكتب والرسل، فأي الفريقين من
المؤمنين والكافرين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم
بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} (الأنعام: 82) .
وإنك لتجد هذه الحقائق كلها وأضعافها واضحة في كتاب (الوحي المحمدي)
وإني لمعترف بأني عاجز عن وصفه، وبأني لم أحط علما بكنهه، ولكني أختم
كلمتي بما قاله أحد خطباء الشرق الأستاذ يوسف اصطفان الشهير في المؤلف نفسه
على إثر محاضرة كان ألقاها السيد الإمام بدمشق الشام في عهد الحكومة العربية قال
لا فض فوه: إن كان لهذا الرجل (يعني السيد الإمام) نظير في رجال الدين في
الغرب، فنحن لا نستحق الحياة أو قال الاستقلال في الشرق.
ثم ختم الكتاب بدعوة الشعوب المتمدنة إلى ما ينجيهم من غوائل المدنية
الفاسدة، ويمتعهم في ظلال الإسلام والسلام.
والكتاب قد ترجم إلى لغات كثيرة شرقية وغربية وتقرر تدريسه في بعض
الممالك الإسلامية، أفليس العرب وفيهم أنزل القرآن، ومنهم أرسل الرسول صلى
الله عليه وسلم أولى بذلك؟ بلى، وإن قلمي ليعجز عن الإحاطة بوصف كتاب
(الوحي المحمدي)
وحسبي أن أوجه نظر كل من يهمه أمر دينه ولا سيما شبابنا المثقف وطلاب
المدارس العالية أن يجعلوه عمدتهم في دراستهم ودروس قراءتهم، فهو يغني عن
كل كتاب في موضوعه، ولا يغني عنه غيره.
... ... ... ... ... ... ... ... محمد بهجت البيطار
-2-
للعلامة الأستاذ الشيخ محمد ظبيان الكيلاني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله مستوجب الحمد، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى
الخير الهادي إلى الرشد، وآله وصحبه وتابعيه وحزبه، أما بعد فقد من الله تعالى
علي بالاطلاع على كتاب الوحي المحمدي الذي أخرجه للناس العلامة الكبير
والأستاذ الشهير السيد محمد رشيد رضا صاحب المنار الأغر فأدهشني ما رأيت من
بدائع ذلك البناء الشامخ، والطود الراسخ، وما حواه من الآيات البينات،
ومعجزات العلم الباهرات، وإني لا أريد أن أتوسع في تقريظ هذا الكتاب، وأن
أبالغ في مدحه كما يفعله كثير من العلماء والكتاب، ولكني أريد أن أقول كلمتي عما
حواه من الحقائق التي أتى بها المؤلف حفظه الله على ضوء العلم فأقول:
إنه لما أخبرني أخي وصديقي العلامة الأستاذ الشيخ محمد بهجة البيطار أحد
علماء دمشق بصدور هذا الكتاب، وأخذ يصف لي ما اشتمل عليه من الحقائق
العلمية والأسلوب الجذاب، داخلني الريب فيما قال، وعددت ذلك غلوا في الدعاية