تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو ضربا من الخيال، ولكني ما كدت أتناوله وأتصفح عباراته، وأتذوق طلاوة

أسلوبه الحكيم، حتى انقلب ذلك الريب يقينا، وأصبح عندي ذلك الخيال حقيقة

ملموسة، وإذا بهذا السفر يتدفق حججا استمدها المؤلف (أدام الله إرشاده) من نور

القرآن، واقتبسها من مشكاة العرفان، فكأنه وحي من الوحي، فقلت: {ذلك فضل

الله يؤتيه من يشاء} (المائدة: 54) .

جاء هذا الكتاب في وقت اشتدت الحاجة إلى مثله، وتطاولت الأعناق إلى

وجود مؤلف جامع على شكله؛ إذ نشأ اليوم الجهل وكثر الفساد، وهجمت على

المؤمنين جيوش الزيغ والإلحاد، فكادت تجتاح الفضيلة، وتقضي على البشرية

بسموم الرذيلة، وتجتث الاعتقاد بوجود الخالق، وتقذفه من حالق.

فجاء الأستاذ المؤلف يدعو الأمم أجمع إلى هداية القرآن بالحكمة والموعظة

الحسنة، يخاطب كل أمة على قدر عقولها، وينوع الأساليب الحكيمة بتقريب الحق

إلى أفهامها، ليمحو ظلمة شكوكها وأوهامها، وليكون ذلك أوقع في النفوس وأبلغ

في تأثير الحجة.

إننا اليوم في عصر كثر فيه طلاب العلوم الكونية، فلا يذعنون إلا لما كان

مؤسسا على الحقائق العلمية، فها هم اليوم قد وجدوا ضالتهم المنشودة، وبغيتهم

المقصودة، فهو كترجمان حكيم يخاطب كل واحد منهم بلغته، ويناجي كل فريق

على قدر عقله ودرجة استعداده ومعرفته، فما أجدر طلاب العلوم الكونية، وعشاق

الحقائق في كل أمة أن يعكفوا على اقتنائه، ودراسته وتدبر آياته، ليستضيئوا بنور

مشكاته، فينالوا السعادتين، ويفوزوا بالنعمتين.

أما علماء الإسلام فإنهم إذا ولوا وجوههم شطره، وقرءوه لإخوانهم، ازدادوا

إيمانا مع إيمانهم، وكان لهم منه سلاح جديد يدفعون به هجمات أعداء الإسلام من

المبشرين والملحدين، ويدحضون به دعاويهم الباطلة، وكان لهم منه أيضا مادة

غزيرة يستعينون بها على الدعوة إلى الله.

وأنا أرجو من الأستاذ (أدام الله نفعه) أن يسعى في ترجمة هذا الكتاب القيم

إلى اللغات الأجنبية، وفي مقدمتها اللغة الإنجليزية؛ لأنها أكثر انتشارا في الأرض،

وليطلع عليه الأمم التي لم تقف على حقيقة الإسلام حتى اليوم كالأمتين اليابانية

والأميركية، وليكون عونا لجمعية الدعوة والإرشاد الإسلامية في طوكيو عاصمة

اليابان؛ لتفهيم القوم حقيقة الإسلام، وأنه لم يكن دينا تعبديا فحسب، بل هو دين

اجتماعي، جاء لسعادة البشر، جمع بين خيري الدنيا والآخرة والله يهدي من يشاء

إلى الحق وإلى طريق مستقيم.

دمشق ... ... ... ... محمد علي ظبيان الكيلاني

-3-

(للعلامة الأستاذ الشيخ محمد مسلم الغنيمي الميداني)

نور سطع في سماء جزيرة العرب منذ ثلاثة عشر قرنا فأضاء الكون لجدير

بأن يكون موضع الإعجاب وتوجه الأنظار، وإن جزيرة العرب في ذلك الزمن

كانت مجدبة من كل علم وفن لا يرى في سمائها بارقة نور.

أخذ هذا النور يتلألأ في سماء الجزيرة وما تزيده الأيام إلا ضياء وامتدادا،

والمعلوم أن مصدر هذا النور العظيم هو ذلك القرآن الحكيم، والنبي الكريم،

العربي الصميم، محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

ولقد شهد عظماء الإفرنجية وفلاسفتهم كدروي وإبرفنج وسديو وإسحاق طيلر

وغوستاف وتولستوي وتومس كارليل وهنري كاستري وغيرهم أن المدنية الغربية

مقتبسة من الحضارة الإسلامية، ولو أخذنا نبسط أقوالهم لطال بنا المقام وخرجنا

عن الموضوع.

وممن كتب في السيرة النبوية من مفكري الغرب درمنغام ومنتيه وغيرهما

فوصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان للخلاء والعزلة يفكر في طريق النجاة

من هذه المخازي والضلالات التي عم ظلامها البشر، ولكنهم حسبوا الكتاب الذي

أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من الوحي النفسي والإلهام الذاتي: أي أنه عليه

الصلاة والسلام صفت سريرته على رءوس الهضاب وبين الشعاب في غار حراء،

فأوحت إليه نفسه كتابا أرشد الأمم وجميع الشعوب بتعاليمه كما ذكر مونتيه في

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٧٣