تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا عارضك العقل فقل ... طورك الزم ما لكم فيه قدم

وقال ابن الفارض

فثم وراء العقل علم يدق عن ... مدارك غايات العقول السليمة

(ثانيا) إن ما وجهوه به وقلدهم فيه يدل على أنهم قد قلدوا الصوفية بغير

عقل ولا فهم للنقل ولا لأقوالهم فإنهم يعنون به غير عالم الأجسام العنصرية، وقد

كان منهم من لا يعرف حكم الشرع في ذلك.

(ثالثا) تقدم أن العقل والشرع يمنعان من قياس عالم الشهادة ومنه الإنسان

على عالم الغيب كالملائكة والجان، ونزيد عليه أنه لم يثبت بدليل عقلي ولا شرعي

يحتج به أن الجني الواحد يتمثل بصور كثيرة في أماكن مختلفة في وقت واحد.

(رابعا) إنه قد أخطأ وخلط بين الأمور التي وجهها به أئمته لعدم فهمها كما

نبينه فيما يأتي:

(48) طي المسافة وزوي الأرض:

إن ما يسمونه طي المسافة غير مسألة زوي الأرض ورؤية الأماكن البعيدة

منها، فالأولى عبارة عن تشكل الروح المجردة في مادة لطيفة تقطع بها المسافات

البعيدة في مدة قصيرة، ومنهم من يفسر بها الإسراء والمعراج، والثانية عبارة عن

تمثل الأماكن البعيدة بصورها للروح أمامها في الهواء أو في حائط مثلا بصورة

مصغرة فتدركها الروح كالمرئية بالعينين وهي التي يفسر بها رؤية بيت المقدس

للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكانه بمكة، وتمثل الجنة له أيضا.

ومنه حديث (زويت لي الأرض) أي جمعت منقبضة مصغرة، ومثال ذلك

تصغير الصور بعدسيات الزجاج من جهة كتكبيرها من جهة أخرى. وخلاصة

الحديث أنه مثلت له الأرض صغيرة مزوية فرأى منها ما يصل إليه ملك أمته لا أنه

قطع مسافتها.

وأصح ما ورد في تمثل بيت المقدس له حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين

قال: قال صلى الله عليه وسلم (لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس

قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه)

فمعنى جلاه أظهره وكشفه له كشفا جليا، وليس معناه أنه قلعه من مكانه ووضعه في

مكة، ورواية رفعه له تصوير للرواية الأولى ونحن لا ننكر على من دونه صلى الله

عليه وسلم أن تتوجه نفسه إلى شيء فينكشف لها فيراه، فإن هذا من جنس الكشف

الذي نقل عن بعض أصحاب الرياضيات، ولكنهم لم يصلوا فيه إلى مثل درجته

صلى الله عليه وسلم في الوضوح وطول المدة بحيث يتمكن من وصفه بتلك الدقة،

وأين هذا من خرافة طواف الكعبة بالولي إن يكن يراد بها التخيل المحض؟

(49) تكبير الجثة وتصغيرها:

إن ما سماه عظم الجثة بحيث تملأ الكون هو طور من أطوار التشكيل في

الصور فهما من باب واحد كما سأبين جعله بابين بابا لتعدد الصورة وبابا لتكبيرها؛

لعدم فهمه لمنشأ كل منها، فأخطأ في جعل الواحد اثنين، كما أخطأ في طي المسافة

وزوي الأرض فجعلهما واحدا وهما اثنان، فكيف يصح لعالم أن يبني فتواه

الشرعية ويفسر ما ورد في عالم الغيب على ما يجهله ولا يفهم ما يقوله غيره فيه؟

(50) قياس الأولياء على الأنبياء والملائكة:

قلنا: إن قياس عالم الشهادة على عالم الغيب أو عالم الملك على عالم الملكوت

- على اصطلاح الصوفية - قياس باطل أو بالفارق، ومثله قياس الأعمال العادية

على الخوارق، ثم قياس الكرامات على المعجزات بناء على أنهما من جنسها أو

نوعها وتكون مثلها. ومن العجيب أن يقع فيه السيوطي ومن نقل عنهم واعتمد

عليهم وسماهم الأئمة، ومنهم تاج الدين السبكي الذي فرق بينهما في الرد على

منكري الكرامات من أصلها بأن الأصل فيها الخفاء والإخفاء، فلا يجوز إظهارها

إلا لضرورة وصرح بهذا المحققون من الصوفية أيضا وبأنها لا تبلغ مبلغ المعجزة

خلافا لقول بعضهم: إن ما جاز أن يكون معجزة جاز أن يكون كرامة، وذكر أن

القشيري من أئمة الفريقين خالف في هذا أيضا كما بيناه من قبل.

وأعجب من هذا أن يقيسوا هؤلاء الأولياء الخياليين أو المتخيلين على الأنبياء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٣٣ · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٣٣ · ص ٢٦٣