أخطارها ولكنها لما تقرر هذا ولا ذاك.
ولما شعر الناس في سوريا بهذه المفاوضات والمباحث، انبرى أصحاب
الأطماع يتزلفون إلى حيث يتخذ كل منهم له يدا يستغلها عند تنفيذ المشروع المنتظر
ولهجت بذلك جرائد سوريا ومصر منذ بضعة أشهر فكانت شقشقة هدرت وتلتها
أخرى ثم قرتا في سوريا وكذبتهما الحكومة المحتلة، وإن لم يصدق كل الناس
تكذيبها في وقتها.
وأما الدولة البريطانية فلا تزال تدرس المشروع وقد توسل أعوانها في العراق
بطلب الترك للموصل إلى تنفير العراقيين منهم من حيث أظهرت هي الميل إلى
إنجاز الوعد باستقلالهم والاستعداد للجلاء عن بغداد لولا أن قام الملك فيصل
يستغيث بها أن لا تفعل وشهد وفده لديهم أو صنيعتهم عنده (جعفر باشا العسكري)
بأن خروجهم من العراق نكبة ما بعدها نكبة (!) وهل هذه الشهادة إلا شهادة عليه
وعلى مولاه الملك فيصل بما يفهمه كل أحد (؟) وهل يخفى على الأكمه أن هذه
الدولة إذا لم تخرج في مثل هذه الفرصة من العراق فلن تخرج منه بعد ذهابها إلا
بانقلاب جديد في العلم تزلزل به الأرض زلزالها، وتخرج أثقالها، ويتقوض
صرح الإمبراطورية البريطانية كلها. ولن يكون هذا بعمل العراق بل لن يكون
للعراق عمل في الوجود بعد استقرار السيطرة البريطانية عليه إلا زرع القطن
للمعامل الإنجليزية واستخراج البترول لها وما أشبه ذلك، وماذا يهم فيصل وآل
فيصل إذا شقي العراق واستعبد وهو متمتع فيه بلقب الملك وأبهته ونعمته وفخفخته؟
ألم يكن يسعى لمثل ذلك في سوريا وكان كل الخلاف بينه وبين الوطنيين عليه؟
بلى وقد ظهروا عليه حين أعلنوا الاستقلال واضطروا إلى اكتفاء شر سعيه للوصاية
الأجنبية بجعله ملكا عليهم حتى إذا ما ألح عليه الجنرال غورو بإعلان الوصاية
الفرنسية أجاب بالقبول، قبل أن يوجه إليه الجنرال الإنذار المعلوم، وهذا أمر لم
نعلمه إلا من عهد قريب. ولذلك لا نستبعد الآن أن يكون الإنذار عن تواطؤ بينهما؛
ليتخذه فيصل ذريعة إلى إقناع المؤتمر السوري العام وسائر زعماء البلاد بقبول
الوصاية التي بذل جهده قبل ذلك في إقناعهم بها فأبوا- ويؤيد هذا انتظاره الاحتلال
الفرنسي في ضواحي دمشق حتى إذا ما تم عاد إلى قصره؛ ليقوم بأمر الملك تحت
وصايته وظله (؟ ؟) ولو رضي الفرنسيس أن يبقى فيصل في دمشق لرضي هو
بمحاولة إسلاس للبلاد لهم بدون نفقة تذكر كما فعل أخوه للإنجليز في شرق الأردن،
ولكان هذا شرا للبلاد لا خيرا لها، ولو أن الإنجليز جعلوه هذا ملكا على فلسطين
كلها لكان تنفيذ الوصاية والوطن القومي لليهود أقرب مثالا وأقل نفقة، ولكن الله
نجى فلسطين من هذه النكبة؛ لأنه أراد أن ينفخ فيها روح القومية والوحدة
الصحيحة، فلولا هذا الاتحاد بين عرب فلسطين المسلمين والمسيحيين لحكمنا على
هذه البلاد حكما محزنا مخزيا، وقد كان من فوائد هذا الاتحاد واليقظة أن علم الشعب
الفلسطيني كله ما كان خفيا إلا على أفراد منه وهو أن الأمير عبد الله الحجازي
صنيعة الإنجليز كأبيه وأنهم موطنون أنفسهم على أن يكونوا ملوكا في دائرة
الإمبراطورية البريطانية المرنة كسلطان زنجبار ونظام حيدر آباد وراجا كشمير
وأمثالهم، أما وقد عرفت حقيقتهم فقد صاروا عاجزين (عن تسليم البضاعة) .
نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبأنه لا يمكن أن يتفق الإنجليز مع هؤلاء
الملوك الحجازيين إلا على استعمار البلاد العربية واستعمار الشعب العربي، وأن
كل تغيير يجددانه في البلاد العربية تجارب بريطانية كالتجارب التي نراها في
مصر، فيجب على الأمة العربية أن لا تثق بشيء يجري بين الفريقين، عملا
بالحديث الصحيح: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) .
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: مراسل جريدة الأخبار المصرية في الأستانة
-----------------