. } [النساء: 48] هذا لمصلحتنا. ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء.. ﴾ [النساء: 48]. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال
" أتى وحشي وهو قاتل سيدنا حمزة في غزوة أحد، أتى على النبي صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد أتيتك مستجيرا فأجرني حتى أسمع كلام الله. فقال رسول الله: " قد كنت أحب أن أراك على غير جوار، فأما إذ أتيتني مستجيرا فأنت في جواري حتى تسمع كلام الله قال: فإني أشركت بالله وقتلت النفس التي حرم الله وزنيت هل يقبل الله مني توبة؟ فصمت رسول الله حتى نزلت: ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما ﴾. فتلاها عليه فقال: أرى شرطا فلعلي لا أعمل صالحا، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ [النساء: 48]. فدعا به فتلا عليه قال: فلعلي ممن لا يشاء، أنا في جوارك حتى أسمع كلام الله فنزلت: ﴿ قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾. فقال نعم: الآن لا أرى شرطا فأسلم ".
إذن فالمسألة كلها تلطف من الخالق بخلقه، واعتبار عمليات الغفلة عمليات طارئة على البشر، وما دام الحق يقنن تقنينات فمن الجائز أنها تحدث، لكن إذا حدثت معصية من واحد ثم استغفر عنها، إياك أن تأتي بسيرتها عنده مرة أخرى وتذكره بها وافرض أن واحدا شهد زورا، افرض أن واحدا ارتكب ذنبا، ثم استغفر الله منه وتاب. إياك أن تقول له: يا شاهد الزور لأنه استغفر من يملك المغفرة، فلا تجعله مذنبا عندك لأن الذي يملكها انتهت عنده المسألة. لماذا؟ لكيلا يذل الناس بمعصية فعلت، بل العكس إن أصحاب المعاصي الذين أسرفوا على أنفسهم يكونون في نظر بعض الناس هينين محقرين. ولذلك نقول: إن الواحد منهم كلما لذعته التوبة وندم على ما فعل كتبت له حسنة، فعلى رغم أنه ذاق المعصية لكنه مع ذلك تاب عنها، وهذا هو السبب في أن الله يبدل سيئاتهم حسنات، وعندما نعلم أن ربنا يبدل سيئاتهم حسنات فليس لنا أن نحتقر المسرفين على أنفسهم، بل علينا أن نفرح بأنهم تابوا، ولا نجعل لهم أثرا رجعيا في الزلة والمعصية. ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ [النساء: 48] و " الافتراء " هو الكذب المتعمد.
لأن هناك من يقول لك قضية على حسب اعتقاده، وتكون هذه القضية كاذبة، كأن يقول لك: فلان زار فلانا بالأمس. هو قال ذلك حسب اعتقاده بأن قالوا له أو رأى أثر للزيارة، على الرغم من أن مثل هذه الزيارة لم تحدث فيكون كذبا فقط، أما الشرك فهو تعمد الكذب على الله وهذا يطلق عليه: ﴿ افترى إثما عظيما ﴾ [النساء: 48] لأنه مخالف لوجدانية الفطرة، كأن وجدانية الفطرة تقول: لا تقل إلا ما تعرفه فعلا وأنت متأكد بل عليك ألا تخالف فطرتك متعمدا وتجعل لله شريكا. والحق سبحانه وتعالى عندما يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إما أن تكون هذه الكلمة صادقة فننتهي، وإما ألا تكون صادقة - والعياذ بالله - أي أن هناك أحدا آخر معه، الآخر سمع أن هناك واحدا يقول: لا إله إلا أنا. أسكت أم لم يسمع؟ إن لم يكن قد سمع فيكون إلها غافلا، وإن كان قد سمع فلماذا لم يعارض ويقول: لا، لا إله إلا أنا، ويأتي بمعجزة أشد من معجزة الآخر ولم يحدث من ذلك شيء. إذن: فهذه لا تنفع وتلك لا تنفع، ف " لا إله إلا الله " حين يطلقها الله ويأتي بها رسول الله ويقول الله: أنا وحدي في الكون ولا شريك لي، ولم ينازعه في ذلك أحد فالمسألة صادقة لله بالبداهة ولا جدال. ﴿ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ﴾ [النساء: 48] والافتراء كما يكون في الفعل وفي الكلام ويكون في الاعتقاد أيضا. " إثم عظيم " ، وهذا يعني أن هناك إثما غير عظيم، " الإثم العظيم " هو الذي يخل قضية عقدية واحدة في الكون تشمل الوجود كله هي أنه لا إله إلا الله. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى عودا على هؤلاء اليهود: ﴿ ألم تر إلى الذين... ﴾.