تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل الوكت - وهو اللسعة التي توجد أثرا على الجلد - ثم ينام الرجل النومة فتغيض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر المجل "

والمجل هو أثر الجمرة التي تظل مدة طويلة على جلد الإنسان فتسبب ورما فيه مياه - كجمر دحرجته على رجلك فنفط - أي انتفخ - فتراه منتبرا وليس به شيء

" فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد يوجد أحد منهم يؤدي الأمانة حتى يقال: " إن في بني فلان رجلا أمينا ".

ويستمر سيدنا حذيفة قائلا: ولقد مر علي زمان وما كنت أبالي أيكم بايعت لئن كان مسلما ليردنه علي دينه ولئن كان نصرانيا ليردنه علي ساعيه - أي المحتسب - وأما الآن فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا. إن الإيمان فطري. إن قصارى ما يعطيك هذا الإيمان الفطري أن وراء هذا الكون الدقيق قوة عظمى فالكون المنظم، الرتيب، الذي لا يدخل تحت طاقتك ولا تحت قدرتك، هذا الكون يسير على أحسن نظام. والقوة العظمى القادرة التي وراء ذلك الكون تتصف بالقدرة، وبالعلم، وبالحكمة، وبكل صفات الكمال. لكن أيعطيك فكرك وعقلك اسم هذه القوة؟ لا يمكن أن يعطي العقل اسم هذه القوة. أيعطيك فكرك وعقلك مرادات هذه القوة؟ إنك لا تستطيع أن تعرف مرادات هذه القوة إلا برسول ترسله ليبلغ عنها. والرسول عندما يأتي تقول: إن القوة التي تبحثون عنها، والتي آمنتم بها إيمانا مجملا اسمها " الله ". فلا بد أن نصدق الرسول. فالعقل لا يقول لنا اسم القوة الخالقة. ولكن الذي يقول لنا اسم هذه القوة هو البلاغ، ويعطينا الحق هذا البلاغ من خلال الرسول بكل مراداته من وجودنا.

وهذا هو أقصر طريق للوصول إلى الحق بعيدا عن تعقيدات الفلسفة أو تعقيدات المنطق، وسفسطة الجدل، هذا الطريق الذي يثبت أن من يعبد أي قوة غير الله لا حق له في مثل هذه العبادة. فالذي يعبد الشمس مثلا هل يستطيع أن يقول لنا ما هو منهج الشمس الذي تطلبه من الإنسان؟ وماذا قالت لمن يعبدها جزاء للفعل الحسن أو عقابا على الفعل السيئ؟ ماذا تستطيع هذه الشمس أن تفعل لمن لا يعبدها؟. إنها لا تملك ثوابا ولا عقابا، ولا منهج لها، وإله بلا منهج لا يصلح أن يكون إلها. فالإله لا بد له من منهج يدل الناس على صواب الفعل وينهى عن سوء الفعل ويملك سلطان الثواب والعقاب، والشمس لا تملك منهجا تعطيه، وكذلك الحجر أو القمر. إذن فهذه الأشياء مخلوقة بدورها من قبل خالق ولا تصلح أن تكون آلهة. ووجود الرسل المبلغين عن الله دليل على صدق الدعوة. فالحق سبحانه وتعالى يعطينا إيمانا بوجوده من خلال المنهج، ونحن قبل البلاغ نعرف أن هناك قوة خالقة لا نعرف اسمها ولا مرادها ولذلك فعندما يأتي الرسول بالبلاغ فهذه رحمة من الله بالخلق. أما من يحاول أن يخطط بعقله لحياته بدون الرسول فنقول له: أنت تصيب نفسك وروحك بالتعب ولن تصل إلى شيء. ونضرب هذا المثل دائما - ولله المثل الأعلى - هب أننا نجلس في غرفة والباب مغلق ثم طرق الباب طارق. هنا نتفق نحن الجلوس في الغرفة في أن وراء الباب طارقا. ولكن إذا أردنا تحديد هذا الطارق وتعيينه فسنختلف فيقول قائل: إنه رجل، ويقول آخر: لا، إنه امرأة، ويقول ثالث: لا، إنه طفل، ويقول رابع: هذا بشير، ويقول خامس: هذا نذير، ويقول سادس: إنه القادم لنا بالقهوة، ويقول سابع: إنه رجل مكلف بالقبض علينا. هكذا نتفق على أن طارقا بالباب ونختلف في تحديد " من الطارق " ، وهكذا الكون، الكون وراءه قوة هائلة وعندما يحاول الإنسان أن يقول اسم هذه القوة بعقله أو مرادات هذه القوة فهذا يسبب الخلاف. ولكن حينما ترسل القوة عن نفسها رسولا ليقول: إن القوة الخالقة اسمها الله ومرادات الله كذا، ففي ذلك حسم للخلاف. إن الذي أرهق الفلاسفة ووصل ببعضهم إلى دهاليز التيه، هو أن بعضهم لم يكتف بتعقل القوة التي خلقت الكون، بل إنهم أرادوا أن يتصوروا القوة وماهياتها ومراداتها. ونقول: إن نظرة الفلاسفة إلى الخالق لا تصلح لأنهم بتلك النظرة يظلون في التيه، ولكن البلاغ عن طريق رسول هو الذي يحسم هذه المسألة. والحديث الذي رواه لنا سيدنا حذيفة عن الأمانة يصور لنا مهمة الإيمان، وكيف يتعلم المؤمن من القرآن والسنة، وعندما يهمل هذا العلم، فما الذي يحدث؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل لنا مراحل فقدان الأمانة، وينبهنا: احذروا من أن تتسلل الانحرافات بنومة قليلة، ثم إلى أخرى أكبر منها، ثم إلى ثالثة أكبر وأوسع.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٧٧