فيوضح لك: هذه الأرض أمامك هات حبة واحدة وضعها في الأرض تخرج لك سبع سنابل وكل سنبلة فيها مائة حبة فإذا كانت الأرض - وهي مخلوقة لله - أعطت سبعمائة ضعف، فكم يعطي من خلق الأرض؟ إنه يعطي بغير حساب. إذن فكلمة ﴿ من لدنه.. ﴾ [النساء: 40] هذه تعطيك الباب الواسع الذي يتناسب مع الله. فالأرض تعطيك على قدر جهدك، وعلى قدر العناصر الغذائية الموجودة فيها. والذي عنده وبيده الخير وخلق كل الكون يوضح: إذا كان خلق من خلقي يعطي حتى الكافر، سبعمائة ضعف فالذي خلق هذا يعطي للمؤمن أجرا للحسنة بلا حدود ولذلك فالإيناسات التمثيلية في الكون يتركها الله لتقرب للعقل المعنى البعيد الذي قد يقف فيه. فالإنسان منا مادة: هي البدن وتحل فيه الروح. وعندما تسحب الروح من البدن، ماذا يصير؟ يصير الجسد رمة، ويتحلل لعوامله الأولى وتنتهي منه مظاهر الحياة. إذن فالروح هي السبب في الحركة، وفي أن كل جهاز يقوم بعمله، وفي النمو، وعندما تسحب الروح ينتهي الأمر، إن الروح هي التي تدير كل هذا الجسم، والروح لا لون لها، ولا أحد يراها، ولا يشمها كائن، فكيف ندركها إذن؟ نقول: إن الجوهر الذي يدخل في جسدك ويعطيه الحركة فيديره. أنت لا تراه ولا تحسه، وهو غيب بالنسبة لك، فإذا حدثت أن ربك غيب فلا تتعجب، فروحك التي بين جنبيك لا تعرف كنهها، وعليك إذن أن تصدق عندما يقال لك: ربك ليس بمحدود بمكان وعندما يقول سبحانه:
لا تدركه الأبصار
[الأنعام: 103]. فكلنا نقول: نعم هذا كلام صحيح لأنه إذا كان هناك مخلوق لله وهو الروح لم تدركه الأبصار، أفتريد أن يدرك من خلق؟ لا يمكن وهو سبحانه من عظمته أنه لا يدرك. وسبحانه يقول: ﴿ ويؤت من لدنه أجرا عظيما ﴾ [النساء: 40] ونقف عند كلمة " من لدنه ". ونعرف أن فيه فرقا بين الإتيان بالناموس - وهو النظام الموضوع - والعطاء المباشر، وعندما يقول الحق: " من لدنه " فهذا يعني أن الوسائط تمتنع. ونعلم قصة سيدنا موسى عندما ذهب ليقابل العبد الصالح قال تعالى في وصف العبد الصالح:
وعلمناه من لدنا..
[الكهف: 65]. وهذا يعني أن العبد الصالح قد تعلم ليس بوساطة أحد، بل من الله مباشرة، بدليل أن الذي جاء ليتعلم منه وتعلم منه ثم وقف معه في أمور جاءت على خلاف ما تجري به النواميس والعادات فكلمة " من لدنا " تعني تجاوز الحجب، والوسائط، والأنظمة. والحق سبحانه يحترم أصل عملك ويسمى عطاءه لك " أجرا " لأنه أعطى من لدنه بعدما أعطى له النصيب المقدر كأجر، وهذا الأجر موصوف بأنه عظيم لأنه مناسب للمعطي. ثم يقول الحق: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة... ﴾.