إنك غدا ستذهبين إلى بيت لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه. فكوني له أمة يكن لك عبدا. واحفظي عني عشر خصال تكن لك ذخرا ". وانظروا إلى الخصال التي استنبطتها المرأة من ميزان رسالتها، تستمر كلمات الأم: " أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالسمع والطاعة والرضا بالقناعة، وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموقع عينه وموضع أنفه فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. والخامسة والسادسة: التفقد لوقت طعامه والهدوء عند منامه فإن تنغيص النوم مغضبة، وحرارة الجوع ملهبة. أما السابعة والثامنة: فالتدبير لماله والإرعاء على حشمه وعلى عياله. وأما التاسعة والعاشرة: فألا تفشي له سرا ولا تعصي له أمرا فإنك إن أفشيت سره لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، وإياك بعد ذلك والفرح إن كان ترحا والحزن إن كان فرحا ". فذهبت أم إياس بهذه النصائح إلى زوجها وأنجبت له البنين والبنات وسعدت معه وسعد معها. تلك نصيحة من أم تدل على منتهى التعقل، ولكن في أي شيء؟. في ميدان مهمتها. إذن فالمرأة يمنحها الله ويعطيها أن تتعقل ولها ميدان ولا يأتي هذا التعقل غالبا إلا في ميدانها. لأن ميدان الرجل له حركة تتطلب الحزم، وتتطلب الشدة، والمرأة حركتها تتطلب العطف والحنان والأمثال في حياتنا اليومية تؤكد ذلك، إن الرجل عندما يدخل بيته ويحب أن ينام، قد يأتي له طفله صارخا باكيا، فيثور الأب على زوجته ويسب الولد ويسب أمه، وقد يقول ألفاظا مثل: " اكتمي أنفاسه إني أريد أن أستريح ". وتأخذ الأم طفلها وتذهب تربت على كتفه وتسكته، ويستجيب لها الطفل، فهذه مهمة الأم، ولذلك نجد أن الأحداث التاريخية العصيبة تبرز الرجل في مكانه والمرأة في مكانها. فمثلا: سيدنا إبراهيم عليه السلام أسكن هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، قالت له: أتتركنا في مكان ليس فيه حتى الماء، أهذا نزلته برأيك أم الله أنزلك فيه؟. قال لها: أنزلني الله هذا المكان. فقالت له: اذهب كما شئت فإنه لا يضيعنا. هذه المهمة للمرأة. هاجر مع طفل في مكان ليس فيه مقوم الحياة الأول وهو الماء، فانظروا عطفها وحنانها، ماذا فعلت؟ لقد سعت بين الصفا والمروة، صعدت الجبل إلى أن أنهكت قواها. إن الذي يذهب إلى الحج أو العمرة ويجرب الأشواط السبعة هذه يعرف أقصى ما يمكن أن تتحمله المرأة في سبيل ابنها لأن هذا موقف عطف وحنان، ابنها يريد أن يشرب. وكأن الله قال لها: إنك قد سعيت ولكني سأجعل رزقك من حيث لا تحتسبين، أنت سعيت بين الصفا والمروة، والماء ينبع تحت قدمي ولدك.
إذن فصدقت في قولها: إنه لا يضيعنا، ولو أن سعيها جاء بالماء لظننا جميعا أن السعي هو الذي يأتي بالماء، ولكن اسع ولا تعتقد في السعي، بل اعتقد في الرزاق الأعلى، تلك مسألة ظاهرة في أمنا هاجر. وحينما جاء موقف الابتلاء بالذبح، اختفت هاجر من المسرح، وجاء دور سيدنا إبراهيم بحزمه وعزمه ونبوته. ورأى في الرؤيا أنه يذبح ابنه، أين أمه في هذا؟ اختفت من المسرح لأن هذا موقف لا يتفق مع عواطفها وحنانها. إذن فكل واحد منهما له مهمة. والنجاح يكون على قدر هذه المهمة. ولذلك يقول الحق: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.. ﴾ [النساء: 32] فساعة ترى جنسا أخذ شيئا وجنسا آخر أخذ شيئا، إياك أن تشغل بالك وتتمنى وتقول: " أريد هذه " ، ولكن اسأل الله من فضله لأن كلمة ﴿ ولا تتمنوا.. ﴾ [النساء: 32] هي نهي عن أن تتمنى ما فضل الله به بعضا على بعض، ولذلك يقول: ﴿ واسألوا الله من فضله.. ﴾ [النساء: 32]. وما دمت تسأل الله من فضله فهنا أمل أن يعطيك. وقد يرى البعض هنا مشكلة فيتساءل: كيف ينهانا الله عن أن نتمنى ما فضل الله به بعضنا على بعض فقال: ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض.. ﴾ [النساء: 32] مع أن فضل الله من شأنه أن يفضل بعضنا على بعض بدليل قوله: