تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله..

[التحريم: 11]. إذن ففي مسألة العقيدة الكل فيها سواء، الذكورة والأنوثة، فيها عقل وفيها تفكير. ولعل المرأة تشير برأي قد يعز على كثير من الرجال. ولنا المثل من زوج رسول الله أم سلمة وموقفها في صلح الحديبية فعندما يأتي الرسول صلى الله عليه وسلم ليعقد المعاهدة، ويحزن أصحابه ومنهم عمر رضي الله عنه الذي قال: أنقبل الدنية في ديننا فيقول له سيدنا أبو بكر: الزم غرزك يا عمر إنه رسول الله. فدخل رسول الله مغضبا، طبعا من حمية عمر وحزن الصحابة، لأنها مسألة تعز على النفس البشرية، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذهب فيجد أم سلمة فيقول لها: هلك المسلمون

" ألا ترين إلى الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي؟ فقالت يا رسول الله: لا تلمهم فإنه قد داخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرج إليهم ولا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك ".

لقد وقع رسول الله صلح الحديبية وانتهت المسألة، ولكن رحمة الله بالمؤمنين الذين وقفوا أمام رسول الله في هذه المسألة، ورحمة الله لهم بأم سلمة أوضح لهم الرسول: سأبين لكم: أنتم لو دخلتم مكة وفيها أناس مسلمون لا تعرفونهم إنهم يكتمون إيمانهم وإسلامهم، والبيت الكافر قد يكون فيه واحد مسلم، وقد تقتلون أناسا مسلمين لا تعرفونهم فتصيبكم معرة أي ما تكرهونه ويشق عليكم مصداقا لقول الحق تعالى:

ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما

[الفتح: 25]. لو تزيلوا أي لو تميز المؤمنون في منطقة لعاقبنا الكافرين عقابا شديدا. إذن لقد أوضح لهم العلة، فرضي الكل، ولنا أن نلتفت إلى أن المسألة جاءت من سيدتنا أم سلمة، وهذا دليل على أن الله لا يمنع أن يكون لامرأة عقل وتفكير ناضج، ولذلك نجد القرآن يؤكد ذلك في قصة بلقيس، لقد فكرت بلقيس في الرجل الآتي ليزلزل ملكها: يا ترى هل هو طالب ملك، فجاء على لسانها في القرآن الكريم.

قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم * ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين * قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون

[النمل: 29-32]. فماذا قال القادة؟ قالوا: لا، هذه ليست مسألتنا، وجاء القرآن بقولهم:

قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين

[النمل: 33]. كان رجل الحرب يؤتمر فقط، يحارب أو لا يحارب، لكن الذي يقدر هذا هم الساسة الذين ليس عندهم حمية وحركية القتال. نقول لقائد الجند: أنت تنتظر الأمر، وتجعل الساسة الهادئين يفكرون في عواقب الأمور لذلك قال قادة الجند لبلقيس:

نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك..

[النمل: 33] لقد وضعوا الأمر في رقبتها وهي امرأة، ففكرت: سأجرب وأختبره وأنظر أهو طالب ملك أم صاحب دين - فأرسلت هدية له، فلما جاءته الهدية جاء القرآن بما قاله سيدنا سليمان عندما تلقى الهدية:

أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون

[النمل: 36]. فعرفت بلقيس أن الملك ليس هدفه، وبعد ذلك عرفت أنه صاحب رسالة، فقالت: أذهب له وأسلم، انظر أداء العبارة القرآنية عندما تصور إيمان ملكه قالت:

وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين

[النمل: 44]. يعني: أنا وهو أصحبنا عبيدا لله، هذه رفعة الإيمان فلا غضاضة ما دامت هي وهو عبيدا لإله واحد، وبلقيس امرأة ولم يحرمها ربنا من الرأي الحسن أيضا ومن الأداء الجميل، وهي عندما ذهبت ووجدت عرشها وقد جاء به من عنده علم من الكتاب وأقامه، لقد تركت العرش في بلدها وجاءت إلى سليمان فوجدت عرشها، وكان لابد أن يلتبس عليها الأمر، وقالوا لها: أهكذا عرشك؟:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩٣٣