تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن فالأمانة والصدق والوفاء وكل هذه القيم أمور معترف بها بالفطرة، فساعة يوجد إنسان لم يقو على حمل نفسه على جادة القيم، ووجد هذا الإنسان واحدا آخر قدر على أن يحمل نفسه على جادة القيم فهو يصاب بالضيق الشديد، وما الذي يشفيه ويريحه؟ إنه لا يقدر أن يصوب عمله وسلوكه ويقوم من اعوجاج نفسه لذلك يحاول أن يجعل صاحب السلوك القويم منحرفا مثله، وإن كانت الصداقة تربط بين اثنين وانحراف أحدهما فالمنحرف يستخذي أمام نفسه بانحرافه، ويحاول أن يشد صديقه إلى الانحراف كي لا يكون مكسور العين أمامه. وهو لا يريده منحرفا مثله فقط بل يريده أشد انحرافا ليكون هو متميزا عليه. إذن فالقيم معترف بها أيضا حتى لدى المنحرفين، واذكروا جيدا أننا نقرأ في سورة يوسف هذا القول الحكيم:

ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36]. هم في السجن مع يوسف، لكن لكل سبب في أنهم سجنوه، فسبب هؤلاء الذين سألوا يوسف هو أنهم أجرموا، لكن سبب وجود يوسف في السجن أنه بريء والبريء كل فكره في الله، أما الذين انحرفوا ودخلوا معه السجن عندما ينظرون إليه يجدونه على حالة حسنة، بدليل أن أمرا جذبهم وهمهم في ذاتهم بأن رأوا رؤيا، فذهبوا لمن يعرفون أنه إنسان طيب برغم وجوده معهم في السجن، فقد أعجبوا به بدليل أنهم قالوا له:

إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36]. ومن يقول:

إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36] لابد أن تكون عنده قدرة على تمييز القيم، ثم قاسوا فعل يوسف عليها فوجدوها حسنة، وإلا فكيف يعرف؟. إذن فالقيم معروفة عندهم، فلما جاء أمر يهمهم في ذاتهم ذهبوا إلى يوسف. ومثال ذلك: هناك لص لا يمل من السرقة ولا يكف عنها، وبعد ذلك جاء له أمر يستدعيه للسفر إلى مكان غير مأمون، فاللص في هذه الحالة يبحث عن إنسان أمين ليقضي الليل عنده ولا يذهب للص مثله. إذن فالقيم هي القيم، وعندما قال أصحاب يوسف في السجن:

إنا نراك من المحسنين

[يوسف: 36]، استغل سيدنا يوسف هذه المسألة ووجدهم واثقين فيه فلم يقل لهم عن حكايتهم ابتداء ويؤول لهم الرؤيا، بل استغل حاجتهم إليه وعرض عليهم الإيمان قال:

يصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

[يوسف: 39]. لقد نقلهم من حكايتهما لحكايته، فما داما يريدان استغلال إحسانه فلماذا لا يستغل حاجتهما له ويعظهما ويبشرهما بدين الله؟ وكأنه يقول لهما: أنتما جئتما إلي لأنكما تقولان إنني من المحسنين.

وأنتما لم تريا كل ما عندي بل إن الله أعطاني الكثير من فيضه وفضله، ويقول الحق على لسان يوسف:

لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله..

[يوسف: 37]. أي أن يوسف الصديق عنده الكثير من العلم، ويقر لهما بفضل الله عليه: فليس هذا العلم من عندي:

ذلكما مما علمني..

[يوسف: 37]. وبعد ذلك يدعوهما لعبادة الواحد كي يستنجدا به بدلا من الآلهة المتعددة التي يتخذانها معبودا لهما وهي لا تضر ولا تنفع.

أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار

[يوسف: 39]. إذن فالقيم واحدة، والله يريد أن يتوب عليكم، ولكن الذين يتبعون الشهوات يريدون أن تميلوا ميلا عظيما، حتى لا تكونوا مميزين عليهم تميزا يحقرهم أمام أنفسهم، فهم يريدون أن تكونوا في الانحراف أكثر منهم، لأنهم يريدون أن يكونوا متميزين في الخير أيضا ويقولون لأنفسهم: " إن كنا شريرين فهناك أناس شر منا ". ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يريد الله أن يخفف... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩١٤