تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]، وأي حكم من الأحكام يأتي ولا تجد له سندا من كتاب الله ويقال لك: ما سنده؟ قال: ﴿ ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا.. ﴾ [الحشر: 7]. والمنهج أوامر ونواه. إذن فالطاعة أن تمتثل أمرا وتجتنب نهيا، تلك هي الطاعة، كل منهج أو دين أمر ونهي، فامتثل الأمر واجتنب النهي. وأنت إذا تصفحت القرآن وجدت آيات الطاعة المطلوبة من المؤمن بمنهج الله والذي شهد بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله تتمثل في الأمر والنهي. فإذا ما استقرأت القرآن وجدت - كما قلنا سابقا - أن الحق سبحانه وتعالى يقول مرة في الطاعة:

قل أطيعوا الله والرسول..

[آل عمران: 32]. ولم يكرر الحق هنا أمر الطاعة، فالمطاع هو المكرر، ف " أطيعوا " أمر واحد، نطيع من؟. الله والرسول، المطاع هنا هو الله والرسول، ومرة يكرر أمر الطاعة فيقول:

وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول..

[المائدة: 92]. ومرة ثالثة يقول:

وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون

[النور: 56]. ومرة رابعة يقول:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..

[النساء: 59]. وأدخل هنا أولي الأمر أيضا، إذن فمرة يأمر بالطاعة ويكرر المطاع فقط، أي: يوحد أمر الطاعة، ويكرر المطاع

قل أطيعوا الله والرسول..

[آل عمران: 32] فوحد أمر الطاعة وكررالمطاع، ومرة يكرر أمر الطاعة، ويكرر معها المطاع:

وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول..

[آل عمران: 92]، ومرة يقول:

وأطيعوا الرسول..

[النور: 56] فإذا قال لك:

أطيعوا الله والرسول..

[آل عمران: 32] فالأمر قد توارد فيه حكم الله وحكم الرسول. إذن فتطيع فيه الله والرسول، وإذا كان الله أمر إجمالي وللرسول أمر تفصيلي كالصلاة والزكاة والحج، إذن فتطيع الله وتطيع الرسول. وإذا لم يكن لله أمر فيه بل جاء من باطن التفويض في قوله سبحانه:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]، فهذا الأمر أطيع فيه الرسول، لأنه جاء في آية أخرى قوله:

من يطع الرسول فقد أطاع الله..

[النساء: 80]، لماذا؟ لأن الرسول عمل بالتفويض الذي أعطاه الله له حسب قول الحق:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. وبقيت طاعة أولي الأمر التي جاءت في قوله:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..

[النساء: 59] أي أطيعوا أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسوله، فلم يفرد ولي الأمر بطاعة وإنما جعل طاعته من:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول..

[النساء: 59]، فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر، بل قال: وأولي الأمر، أي من باطن طاعة الله والرسول، إنها دقة الأداء في القرآن. تأمل ما يقوله الحق سبحانه:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا..

[الحشر: 7]. لقد قلنا: إن الطاعة امتثال أمر واجتناب نهي، والموجود هنا " آتاكم " و " نهاكم " ف " آتى " هذه جاءت بدل وما أمركم والنهي موجود بلفظة " وما نهاكم عنه " الأمر هو " آتاكم " ، ولماذا لم يقل: وما أمركم به الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟ ولماذا لم يختصر فيقول: وما آتاكم الرسول فخذوه؟! لأن الإتيان من الرسول إما أن يكون قولا وإما أن يكون فعلا، ولكن أيكون المنهي عنه فعلا يفعله الرسول؟! لا يمكن. إذن فالنهي لا يتأتى إلا نهيا ومنعا من الفعل، لكن الإيتاء يكون قولا أو فعلا لأنه عندما يقول لك: لا تشرب الخمر، فماذا كان يفعل النبي كي نأخذه من الفعل؟ إن الرسول قطعا لم يشرب الخمر. إذن فقول الرسول وفعله يتأتى في المأمور به، وأما في المنهي عنه فلا يتأتى إلا قولا.

بالله أمن الممكن أن يأتي بهذا عقل بشري؟ لا يمكن، ولا يقولها إلا الله. ثم نبحث بحثا آخر يا خوارج. إن الرسول إنما جاء ليبلغ عن الله - ومراد التبليغ أن يعلمنا بالحكم، لنؤدي مدلوله، فإذا جاء حكم قولا بالنص، فالذي يشرحه لنا هو ما يفعله الرسول، وحين يفعله الرسول أيوجد مجال للكلام في هذا النص؟ لا يوجد، بل تكون المسألة منتهية. إذن فالفعل أقوى ألوان النص في الأوامر لأن الأمر قد يأتي كلاما نظريا، وقد يتأول فيه البعض. لكن عندما يفعل الرسول يكون الحكم لازما لأن الذي فعل هو المشرع. أرجم رسول الله أم لم يرجم؟ قد فعل رسول الله ذلك، وفعله هو نص عملي. إن الفعل ليس نصا قوليا يتأول فيه. لقد رجم الرسول ماعزا والغامدية ورجم اليهودي واليهودية وكانا قد أحصنا بالزواج والحرية، وفعل الرسول هو الأصل في الحكم، فدليل الخوارج إذن قد سقط به الاستدلال وبقي ما فعله المشرع وهو الرسول المفوض من الله في أن يشرع قولا أو فعلا أو تقريرا، أي يرى أحدا يفعل فعلا فيقره عليه. ثم نبحثها بالعقل: إذا كنت تريد ألا يوجد في الزنى حد إلا الجلد، أتسوي بين من لم يتزوج ومن تزوج؟ إن المتزوجة لها عرض ولها زوج ولها نسب ونسل. هل هذه مثل تلك التي لم تتزوج؟! إن هذا لا يتأتى أبدا بالعقل، إذن فحكم الرجم موجود من فعل الرسول، والدليل الذي استدل به الخوارج هو دليل تسرب إليه الاحتمال. والدليل إذا تسرب إليه الاحتمال سقط به الاستدلال. ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم.. ﴾ [النساء: 25] ومن هو المقصود ب " ذلك "؟ المقصود به إباحة نكاح الإماء لمن لم يجد طولا أن ينكح من الحرائر. وما هو " العنت "؟ " العنت " هو المشقة والجهد، وإرهاق الأعصاب، وتلف الأخلاق والقيم، لأن الإنسان إذا هاجت غرائزه إما أن يعف وإما أن ينفلت. فإن انفلت فقد تسرب الفساد إلى قيمه وإلى خلقه، وإن لم ينفلت والتزم، ماذا يحدث؟ سيقع بين أنياب المرض النفسي وتأتيه الأمراض العصبية. فأباح له الله أن يتزوج الأمة، إن لم يجد طولا في الزواج من الحرائر. وبذلك يكون مفهوم الآية: إن الذي لا يخشى العنت فليس ضروريا أن يتزوج الأمة. وليس هذا تزهيدا في الأمة بل فيه احترام لها، لأنها إن تزوجت ثم ولدت ممن تزوجته فسيصبح ولدها عبدا، والله يريد أن يصفي الرق والعبودية، فيوضح له: دعها لسيدها فإن أعجبته وحلت في عينيه ووطئها وجاءت منه بولد فستكون هي والولد من الأحرار إنهما قد دخلا في دائرة الحرية. إذن فالحق يريد أن يصفي الرق، ثم قال: ﴿ وأن تصبروا خير لكم.. ﴾ [النساء: 25] أي وصبركم عن نكاح الإماء. وأنتم في عفة وطهر عن مقارفة الإثم إن ذلك خير لكم من زواجهن، فنكاح الحرائر أفضل. ويذيل الحق الآية: بقوله: ﴿ والله غفور رحيم ﴾ [النساء: 25] أي إنه غفور لما قد بدر وحصل منكم من ذنوب استغفرتم ربكم منها رحيم بكم فلا يعاجلكم بالعقوبة شفقة عليكم وحبا في رجوعكم إليه. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ يريد الله ليبين لكم ويهديكم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٩١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٩١١