تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون

[آل عمران: 47] لقد احتاج وجود عيسى إلى أمرين: " روح " و " كن ". والشبهة عند النصارى مردها إلى أن عنصر الذكورة لم يلمس مريم وقالوا: مادام الله قد قال: إن عيسى روح منه فهو جزء من الله، ونسوا أن كل شيء من الله، وسبحانه القائل:

وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه

[الجاثية: 13] فهل هذا يعني أن " الأرض " قطعة من الله وكذلك الشمس؟. لا. فإذا كانت الشبهة قد جاءت من غياب عنصر الذكورة مع وجود عنصر الأنوثة لكان من الواجب منطقيا أن تكون الشبهة في آدم قبل أن تكون الشبهة في عيسى لأن آدم جاء من غير ذكورة ولا أنوثة فلا أب ولا أم له لقد قال القرآن بمنتهى البساطة ومنتهى الوسع:

إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون

[آل عمران: 59] ولا يملك أحد القيد على فضل الله ووسعه، ومسألة آدم كانت أدق، لكن الله بتفضله يساوي بين خلق عيسى وخلق آدم، وهذا هو التلطف في الجدل. وأخبرنا سبحانه عن عيسى أنه جاء بأمر منه، وقال في آدم:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي

[الحجر: 29] إذن فآدم قد احتاج إلى الأمرين نفسيهما: " كن " ، و " النفخ فيه من الروح " ، وعندما ننظر إلى هذه المسألة نجد أننا لا بد أن نتعرض لقضية خلق آدم، حتى نعرف كيف تسلسلت مسألة الخلق، سواء أكان الخلق ملائكة أم خلق آدم أم خلق حواء أم غيرهم من الخلق، كذلك خلق عيسى. لقد كان خلق آدم غيبا عن آدم، وليس لآدم نفسه ولا لمن جاء بعده أن يتكلم كيف خلق لأن هذه المسألة لا دخل لأحد بها، ويقول لنا الخلق محذرا من أن نستمع إلى قوم يقولون بغير ذلك عن الخلق فقال:

مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51] ولا يمكن - إذن - أن نستمع إلى هؤلاء الذين افترضوا أن أصل الإنسان قرد أو غير ذلك لأن الذي يتكلم عن الخلق بغير علم من عند الله، فهو يتكلم في أمر لم يشهده.

والخلق الأول أمر لا يمكن أن يدخل المعمل التجريبي لأن المعمل التجريبي إنما يحلل مواد موجودة بالفعل. إذن فالحكم على أمور بغير ما أخبرنا بها الله أمر باطل. ولم يكن هناك أحد مع الله ساعة خلق الخلق ليقول لنا كيف تم ذلك. وعلمنا هذه المسائل بإخبار الخالق لنا فهو الأعلم بنا، والخالق أخبرنا أنه خلقنا من ماء وتراب وطين وحمأ مسنون وصلصال كالفخار، وحدثنا بذلك في آيات متعددة. والذين يريدون أن يكذبوا القرآن يقولون: إن القرآن لم يأت بخبر واحد عن خلق الخلق، فمرة يقول إن الخلق كان من ماء ومرة كان من تراب، ومرة كان من طين، ومرة كان من صلصال. ونقول: أحين يتكلم الحق عن مراحل الخلق فهل في هذا تضاد؟. أصل الخلق ماء، خلطه الحق بتراب، وبعد وضع الماء على التراب صار الإثنان طينا، ثم إذا تركنا الطين إلى أن يختمر، يصير حمأ مسنونا، وبعد ذلك يصير صلصالا، ومن بعد ذلك خلق منه الحق آدم. إذن فكل شيء تكلم عنه سبحانه في خلق آدم إنما يتفق مع كل الآيات التي جاءت عن هذا الخلق. وهو القائل عن آدم:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي

[الحجر: 29] وبعد صنع الله القالب الذي يشبه التمثال الذي نراه، ولكن تنقصه الحركة والحياة، فيأتي النفخ في الروح بكلمة " كن ". إذن نحن نحتاج إلى روح وإلى كلمة. والروح عنصر وجودي. وعندما تختلط بالقالب تحدث الحياة، ولا بد من بعد ذلك من الإرادة بكلمة " كن ". ولذلك نجد الإنسان قد يصنع نفس خلطة الإنسان الكيماوية لكنها لا تصير إنسانا لأن الأمر ينقص الإذن بميلاد الإنسان. وساعة يتكلم الحق عن خلق آدم وهو أمر لم نشهده، فذلك من رحمته بنا، ويترك لنا سبحانه في الكون دليلا على صدقه عن خلق آدم، فإذا كنا لم نشهد خلق الحياة فنحن نشهد نقيض الحياة وهو الموت، الذي يحدث فيه أولا خروج الروح، ومن بعد ذلك ينتفخ الجسم كأنه الحمأ المسنون، ثم يتبخر الماء، وبعد ذلك يتحلل إلى تراب. هذه هي مراحل الموت التي تبدأ من خروج الروح ويتصلب الجسم إلى أن يرم ثم يتبخر الماء، وتبقى العناصر في الأرض. وإذا كنا لم نعرف كيف بدأت الحياة، فنحن نعرف كيف انتهت الحياة أمامنا بالأمر المشهدي، وجعل سبحانه أمر انتهاء الحياة أمامنا دليلا على صدقة في إخبارنا بالحياة وكيف بدأت لأن نقض الحياة يكون بالموت، ونقض أي شيء إنما يتم على عكس طريقة بنائه. وآخر أمر دخل في الإنسان هو الروح، ولذلك فهي أول ما يخرج من الإنسان عند الموت.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٣٦