تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون

[يونس: 44] وهكذا ظلم اليهود أنفسهم فحرم الله عليهم طيبات أحلت لهم. ومن الذي نقل الأمر الطيب إلى أمر غير طيب؟.

إنه الإنسان. ولكن هل نقل ذات الشيء أو حكم الشيء؟. لقد نقل حكم الشيء، فجعل الشيء الحرام شيئا حلالا. ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ﴾. كيف يكون باستطاعتهم الصد عن سبيل الله؟. لقد ظلموا أنفسهم وأخذوا الربا وتلك أمور تجعلهم في ناحية الضلال وفي جانب الباطل، وليت الأمر وقف عند هذا. بل أرادوا أيضا إضلال غيرهم، وهذا هو مضمون الصد عن سبيل الله. وجعلهم هذا الأمر أصحاب وزر آخر فوق أوزارهم، فلم يكتفوا بضلالهم بل تحملوا أوزار إضلال غيرهم.

ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا سآء ما يزرون

[النحل: 25] وقد يسمع متشكك هذا القول. فيتساءل: كيف يناقض القرآن بعضه فيقول:

ولا تزر وازرة وزر أخرى

[الأنعام: 164] ونقول: إن لكل وزر طريقا وحسابا، فالإنسان يحمل وزر ضلاله وحده إن لم يضل به أحدا غيره، ولكن إن حاول إضلال غيره فهو يتحمل وزر هذا الإضلال. ويقول الحق في تكملة ظلمهم لأنفسهم: ﴿ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ﴾ ، وقد تعرضنا للربا من قبل. وقد أخذوا الرشوة، وهو أكل لمال الناس بالباطل وكذلك السرقة، والغش في السلع، كل ذلك أخذ مال من الناس بغير حق، وما أخذ بغير الحق فهو باطل، وأعد سبحانه لهم مسبقا عذابا اليما. ولكل إنسان مقعدان: مقعد من الجنة إن قدر إيمانه، ومقعد من النار إن قدر كفره، ولا مجال للظن بإمكان ازدحام الجنة أو ازدحام النار، فقد خلق الله مقاعد الجنة على أساس أن كل الناس مؤمنون، وجعل مقاعد النار على أساس أن كل الناس كافرون. ولذلك يقول الحق:

الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون

[المؤمنون: 11] وحين يتبوأ المؤمن مقعده في الجنة يورثه الله المقعد الآخر الذي أعده للكافر فقد كان للكافر قبل أن يكفر مقعد في الجنة لو اختار الإيمان. وقد أعد الحق العذاب الأليم لهم أي الشديد إيلامه، وهو مهين أيضا أي أن في قدرته قهر أي إنسان يتجلد للشدة، فلا أحد يقدر على الجلد أمام عذاب الله. وهل هذا هو كل ما كان من أهل الكتاب؟. ألم يوجد في أهل الكتاب من كان يدير مسألة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم في عقله، ويبحث في القضايا والسمات التي جاءت مبشرة به صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل؟. كان من بينهم من فعل ذلك، ويورد الحق سبحانه وتعالى التاريخ الصادق، فيستثنى من أهل الكتاب الراسخين في العلم فيقول: ﴿ لكن الراسخون... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢١٣