وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة وجيزة في السماء ثم نزل إلينا، إذن فالمسألة في أن يذهب خلق من خلق الله بإرادة الحق وقدرته إلى السماء وهو حي ثم ينزل إلى الأرض وهو حي ليس عجيبة. والخلاف بين رفع عيسى وصعود محمد صلى الله عليه وسلم بالمعراج خلاف في المدة. وهذا لا ينقض المبدأ فالمهم أنه صعد بحياته ونزل بحياته، وظل فترة من الزمن بحياته، إذن فمسألة الصعود إلى السماء والبقاء فيها لمدة أمر وارد في شريعتنا الإسلامية. ولتأكيد هذه المسألة يقول الحق:
وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته
[النساء: 159] السامع السطحي لهذه الآية قد يقول: إنهم أهل كتاب ولا بد أن يكونوا قد آمنوا به، وأقول: لا، لقد آمنوا به إيمانا مرادا لأنفسهم، وليس الإيمان المراد لله، آمنوا به إلها أو جزءا من إله وهو ما يسمى لديهم بالثالوث - الأب والابن وروح القدس - ولكن الله يريد أن يؤمنوا به رسولا وبشرا وعبدا. وإذا قال الحق: ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ فمعنى هذا: ما أحد من أهل الكتاب إلا ويؤمن بعيسى عليه السلام رسولا وعبدا وبشرا قبل أن يموت. والضمير في قوله: ﴿ إلا ليؤمنن به ﴾ يرجع إلى عيسى. والضمير الآخر الموجود في ﴿ قبل موته ﴾ قد يرجع إلى عيسى أي قبل موت عيسى ولن يموت عليه السلام الموتة الحقيقية التي تنهي أجله في الحياة إلا بعد أن يؤمنوا به عبدا ورسولا وبشرا، ولن يتحقق ذلك إلا إذا جاء بشحمه ولحمه ودمه ليقول لهم: أنتم مخطئون في أنكم أنكرتم بشارتي بمحمد الخاتم، وأنتم مخطئون في اتهامكم لأمي، والدليل على خطئكم هو أنني جئت مبشرا برسول للناس كافة هو محمد بن عبدالله، وهأنذا أصلي خلف واحد من أمة ذلك الرسول. فلن يأتي عيسى - عليه السلام - بتشريع جديد بل ليصلي خلف واحد من المؤمنين بمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وحين يصنع عيسى ابن مريم ذلك، ماذا سيقول الذين فتنوا فيه؟. لاشك أنهم سيعلنون الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أن كل كتابي من الذين عاشوا في المسافة الزمنية من بعد رفعه وحتى نزوله مرة أخرى سيعلن الإيمان بعيسى كبشر ورسول وعبد قبل أن يموت ولو في غيبوبة النهاية عندما تبلغ الروح الحلقوم وتتردد في الحلق عند الموت. فقد يصح أن تكون الآية عامة ﴿ وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ﴾ ويعود الضمير فيها إلى كل كتابي قبل أن يموت.
إن النفس البشرية لها هوى قد يستر عنها الحقائق ويغلق دونها باب اليقين ويدفعها إلى ذلك غرور الحياة، فإذا ما جاءت سكرة الموت بالحق، انتهى كل شيء يبعد الإنسان عن منهج الحق واليقين ولا تبقى إلا القضايا بحقها وصدقها ويقينها، وتستيقظ النفس البشرية لحظة تظن أنها ستلقى الله فيها ويسقط غرور الحياة، ويراجع الإنسان منهم نفسه في هذه اللحظة، ويقول: أنا اتبعت هوى نفسي. ولكن أينفع مثل هذا اللون من الإيمان صاحبه؟ لا لأن مثله في ذلك مثل إيمان فرعون، فقد قال حين أدركه الغرق:
حتى إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين
[يونس: 90] فيسمع صوت الحق في تلك اللحظة:
آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين
[يونس: 91] فلم ينتفع فرعون لحظة الغرق بالإيمان. ويقول - سبحانه -:
وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما
[النساء: 18] ويذيل الحق الآية: ﴿ ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ﴾ وهذا يؤكد أن عيسى عليه السلام سيشهد على من عاصروا نزوله في الدنيا، وسوف يشهد يوم القيامة على الذين ادعوا له بالألوهية:
وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب