تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما جآءنا من بشير ولا نذير

[المائدة: 19] وقالوا: إن أصل العبارة " ما جاءنا بشير " ، وإن " من " جاءت زائدة حتى يتسق اللفظ. ونقول: لو أن العبارة جاءت كما قالوا لما استقام المعنى، ولإيضاح ذلك أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - عندما يقول واحد: " ما عندي مال " فهذا نفى أن يكون عند القائل مال، ولعل لديه قدرا من المال القليل الذي لا يستأهل أن يسميه مالا.

ولكن إذا قال واحد: " ما عندي من مال " فالمعنى أنه لا يملك المال على إطلاقه أي أنه مفلس تماما، ولا يملك أي شيء من بداية ما يقال إنه مال. إذن " ما جاءنا بشير " ليست مثل قوله: " ما جاءنا من بشير ". فالمعنى أنه لم يأتهم أي رسول بشير أو نذير من بداية ما يقال إنه رسول. إذن فقوله الحق: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم ﴾ أي بسبب نقض الميثاق فعلنا بهم كذا. لماذا إذن أثار العلماء هذه الضجة؟ السبب في ذلك هو وجود ما بعد " الباء " وقبل المصدر، أي أنهم نقضوا العهد بكل صورة من صوره، فنقض العهد والميثاق له صور متعددة ف ما هنا استفهامية جاءت للتعجيب أي على أية صورة من صور نقض ونكث العهد لعناهم؟ لعناهم لكثرة ما نقضوا من العهود والمواثيق. والحق قد قال:

فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا

[النساء: 155] ولم يقل: فبما نقضتم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف، طبع الله على قلوبهم. فوجود " بل " يدلنا على أن هناك أمرا أضربنا عنه. فنحن نقول: جاءني زيد بل عمرو. أي أن القائل قد أخطأ، فقال: " جاءني زيد " واستدرك لنفسه فقال: " بل عمرو ". وبذلك نفى مجيء زيد وأكد مجيء عمرو. والحق قال: ﴿ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾. كان المقتضي في الأسلوب العادي أن يقول: " بكفرهم وبقتلهم الأنبياء طبع الله على قلوبهم ". ولكن سبحانه لم يقل ذلك لحكمة بالغة. وحتى نعرف تلك الحكمة فلنبحث عن المقابل ل " طبع الله على قلوبهم " ، المقابل هو " فتح الله على قلوبهم بالهدى ". وجاء قول الحق معبرا تمام التعبير عن موقفهم: ﴿ فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها ﴾. وهكذا نرى عظمة القرآن الذي يأتي بالمعنى الدقيق ويجب أن نفكر فيه ونتدبر كل كلمة منه. الحق - إذن - يقدم الأسباب لما صنعه بهم بالحيثيات، من نقضهم للميثاق، وكفرهم بآيات الله، وبقتلهم للأنبياء بغير حق لذلك لم يفتح الله عليهم بالهدى، بل طبع الله على قلوبهم بالكفر. فوجود " بل " دليل على أن هناك أمرا قد نفي وأمرا قد تأكد. والأمر الذي نفاه الله عنهم أنه لم يفتح عليهم بالهدى والإيمان، والأمر الذي تأكد أنه سبحانه قد طبع على قلوبهم بالكفر.

وفي آية أخرى قال عنهم:

وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون

[البقرة: 88] فقلوبهم ليست غلفا، ولكن هي لعنة الله لهم وإبعاده لهم وطردهم واستغناؤه عنهم لذلك تركهم لأنفسهم فغلبت عليهم الشهوات. ولماذا ذيل الحق الآية بقوله: ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾؟ لأن المقصود به عدم إغلاق باب الإيمان على إطلاقه أمام هؤلاء الناس، وهو - كما عرفنا من قبل - " صيانة الاحتمال ". فقد يعلن واحد من هؤلاء إيمانه الذي خبأه في نفسه، فكيف يجد الفرصة لذلك إن كان الله قد قال عنهم جميعا ﴿ وطبع الله على قلوبهم ﴾؟ إن الذي يرغب في إعلان الإيمان منهم لا يجد الباب مفتوحا، ولكن عندما يجد الحق قد قال: ﴿ فلا يؤمنون إلا قليلا ﴾ فهو يعلم أن باب الإيمان مفتوح للجميع. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ وبكفرهم وقولهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٢٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٢٠٢