تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم

[البقرة: 194] إذن فالحق سبحانه وتعالى لا يعطينا في الاستثناء إلا على قدر الضرورة. ويوضح: إياكم أن تزيدوا على هذه الضرورة، فإن كان ظلمكم بقول فأنا السميع. وإن كان ظلمكم بفعل فأنا العليم، فلا يتزيد واحد عن حدود اللياقة. وبذلك يضع الحق الضوابط الإيمانية والنفسية فأزاح الكبت وفي الوقت نفسه لم يقفل باب الطموح الإيماني. لقد سمح للعبد أن يجهر إن وقع عليه ظلم. لكن إن امتلك الإنسان الطموح الإيماني فيمكنه ألا يجهر وأن يعفو. إذن فهناك فارق بين أمر يضعه الحق في يد الإنسان، وأمر يلزمه به قسرا وإكراها عليه فمن ناحية الجهر، جعل سبحانه المسألة في يد الإنسان، ويحب سبحانه أن يعفو الإنسان لأن المبادئ القرآنية يتساند بعضها مع بعض.

وسبحانه يقول:

ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

[فصلت: 34] فإن أباح الله لك أن تجهر بالسوء من القول إذا ظلمك أحد، فقد جعل لك ألا تجهر بل تعفو عنه، وغالب الظن أن صاحب السوء يستخزى ويعرف أن هناك أناسا أكرم منه في الخلق، ولا يتعب إنسان إلا أن يرى إنسانا خيرا منه في شيء. وعندما يرى الظالم أن المظلوم قد عفا فقد تنفجر في نفسه الرغبة أن يكون أفضل منه. إذن فالمبدأ الإيماني: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن ﴾ جعله الله مجالا محبوبا ولم يجعله قسرا لأنك إن أعطيت الإنسان حقه، ثم جعلت لأريحيته أن يتنازل عن الحق فهذا إرضاء للكل. وهكذا ينمي الحق الأريحية الإيمانية في النفس البشرية لأنه لو جعلها قسرا لأصلح ملكة على حساب ملكة أخرى. ولذلك إذا رأيت إنسانا قد اعتدى على إنسان آخر، فدفع الإنسان المعتدى عليه بالتي هي أحسن وعفا وأصلح فقد ينصلح حال المعتدي، وسبحانه القائل: ﴿ ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾. فإذا تمادى من بعد ذلك فعلى الإنسان أن يعرف أن الله لا يكذب أبدا، ولا بد أن الخلل في سلوكك يا من تظن أنك دفعت بالتي هي أحسن. قد يكون الذي دفع بالتي هي أحسن قد قال بلهجة من التعالي: سأعفو عنك، ومثل هذا السلوك المتكبر لا يجعل أحدا وليا حميما. لكن إن دفع حقيقة بالتي هي أحسن تواضعا وسماحة، فلا بد أن يصير الأمر إلى ما قاله الله: ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ﴾. والتفاعلات النفسية المتقابلة يضعها الله في إطارات واضحة وسبحانه القائل:

فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم

[البقرة: 194] وذلك حتى لا يستشرى المعتدي أيضا، فهناك إنسان إذا تركناه مرة ومرة. يستشرى، لكن إذا ما أوقفناه عند حده فهو يسكت، وبذلك نرحم المجتمع من استشراء الفساد. ويصعب الحق المسألة في رد الاعتداء. ويثور سؤال: من القادر على تحقيق المثلية بعدالة؟. ونجد على سبيل المثال إنسانا ضرب إنسانا آخر صفعة على الوجه، فبأية قوة دفع قد ضرب؟ وفي أي مكان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب. ومادام المأمور به أن أعتدى بمثل ما اعتدى به علي ولن أستطيع تحقيق المثلية، ولربما زاد الأمر على المثلية وبعد أن كنت المعتدى عليه صرت المعتدي، بذلك يكون العفو أقرب وأسلم. والعمليات الشعورية التي تنتاب الإنسان في التفاعلات المتقابلة يكون لها مواجيد في النفس تدفع إلى النزوع.

والعملية النزوعية هي رد الفعل لما تدركه، فإن آذاك إنسان وأتعبك واعتدى عليك فأنت تبذل جهدا لتكظم الغيظ، أي أن تحبس الغيظ على شدة. فالغيظ يكون موجودا، ولكن المطلوب أن يمنع الإنسان الحركة النزوعية فقط. وعلى المغتاظ أن يمنع نفسه من النزوع، وإن بقي الغيظ في القلب.

والكاظمين الغيظ

[آل عمران: 134] هذه مرحلة أولى تتبعها مرحلة ثانية هي:

والعافين عن الناس

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٩٠