سلام نوعين يبين حده
تلهف كيف واستطالة مده
هكذا يقابل الإنسان الأحداث، فإن كان الحدث سارا فالإنسان يقبل عليه بلهفة. وإن كان غير ذلك فالإنسان يقوم إليه متثاقلا. وكان المنافقون يقومون إلى الصلاة بتثاقل وتكاسل: ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ﴾ كأنهم يؤدون الصلاة كستار يخفون به نفاقهم، ويستترون بها عن أعين المسلمين. ولم يكن قيامهم للصلاة شوقا إلى لقاء الله مثلما كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال - رضي الله عنه - طالبا منه أن يؤذن للصلاة:
" يا بلال أرحنا بالصلاة ".
لأن المؤمن يرتاح عندما يؤدي الصلاة، أما المنافق فهي عملية شاقة بالنسبة إليه لأنه يؤديها ليستتر بها عن أعين المسلمين ولذلك يقوم إليها بتكاسل. ﴿ وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ﴾. هم يقيمون الصلاة ظاهريا أمام الناس ليخدعوا المسلمين وليشاهدهم غيرهم وهم يصلون. وفي الصلاة التي يراءون بها الناس لا يقولون كل المطلوب منهم لتمامها، يقولون فقط المطلوب قوله جهرا. كأن يقرأوا الفاتحة وبعض القرآن ولكنهم في أثناء الركوع لا يسبحون باسم الله العظيم وكذلك في السجود لايسبحون باسم الله الأعلى. ففي داخل كل منافق تياران متعارضان.. تيار يظهر به مع المؤمنين وآخر مع الكافرين. والتيار الذي مع المؤمنين يجبر المنافق على أن يقوم إلى الصلاة ويذكر الله قليلا، والتيار الذي مع الكافرين يجعله كسولا عن ذلك، ولا يذكر الله كثيرا. وإذا ما حسبنا كم شيئا يجهر به المصلي وكم شيئا يجريه سرا فسنجد أن ما يجريه المصلي سرا في أثناء الصلاة أكثر من الجهر. ففي الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، ويقول: سبحان ربي الأعلى، في كل سجود ثلاث مرات، أما المنافق فلا يذكر الله إلا جهرا، وهو ذكر قليل. ونجد المنافق لا يفعل فعلا إلا إذا كان مرئيا ومسموعا من غيره، هذا هو معنى المراءاة. أما الأعمال والأقوال التي لا ترى من الناس ولا تسمع فلا يؤديها. ولا يهز المجتمعات ولا يزلزلها ويهدها إلا هذه المراءاة لأن الحق سبحانه يحب أن يؤدي المسلم كل عمل جاعلا الله في باله، وهو الذي لا تخفى عليه خافية. ويلفتنا إلى هذه القضية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول عن الإحسان:
" أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
وإذا كان الإنسان يخجل من أن يغش واحدا مثله من البشر غشا ظاهريا فما بالنا بالذي يحاول غش الله وهو يعلم أن الله يراه؟ ولماذا يجعل ذلك العبد ربه أهون الناظرين إليه؟ وعندما يغش واحدا آخر واكتشف الآخر غشه فهو يعاقبه فما بالنا بغش الله؟! ولذلك تجد الرسول صلى الله عليه وسلم ينقل لنا حال المرائي للناس فيقول:
" إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله - عز وجل - يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء؟ ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن المرائي ينادى عليه يوم القيامة " يا فاجر " " يا غادر " " يا مرائي " ضل عملك وحبط أجرك فخذ أجرك ممن كنت تعمل له ".
إذن فالمنافق إنما يخدع نفسه، هو يتظاهر بالصلاة ليراه الناس. ويزكي ليراه الناس، ويحج ليراه الناس، هو يعمل ما أمر الله به، لكنه لا يعلمه الله، ولذلك قال القرآن:
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب
[النور: 39] وقال عن لون ثان من نفاقهم:
كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين