تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون

[فصلت: 17] فسبحانه هنا قد دلهم على الهداية، ولم يقدم لهم الهداية الفعلية لأنهم استحبوا العمى على الهدى، فكأن الله قد دل على المنهج الذي يوصل الخير والبر لكل الناس، فمن أقبل بإيمان فالحق يمده بهداية المعونة ويعاونه على ازدياد الهدى، مصداقا لقوله:

إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى

[الكهف: 13] ولا نريد لهذا المثل أن يغيب عن الأذهان لذلك أؤكده دائما: شرطي المرور الواقف في بداية الطريق الصحراوي. يسأله سائل: ذاهب إلى الاسكندرية عن الطريق فيدله على الطريق الموصل للإسكندرية، هنا قام الشرطي بالدلالة، ثم شكر الرجل الشرطي وحمد الله على حسن شرح الشرطي ويحس ويشعر رجل المرور بالسعادة، ويحذر الرجل المسافر من عقبات الطريق، ويركب معه ليشير له على تلك العقبات حتى يتفاداها. أي أنه من بعد الدلالة قد حدثت المعونة. كذلك الحق يدل الناس على الإيمان وعلى المنهج، فالذي يؤمن به يساعده ويخفف عليه الطاعة، قال الحق سبحانه في شأن الصلاة:

وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين

[البقرة: 45] إذن نحن نجد الهداية على مرحلتين: هداية الدلالة، وهداية المعونة. ويريد الحق لقضية الإيمان أن تكون قضية ثابتة متأصلة بحيث لا تطفو إلى العقل لتناقش من جديد. فمبدأ الإيمان لا يتغير في مواكب الرسالات من سيدنا آدم إلى أن ختمها بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وقال سبحانه:

يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا

[النساء: 136] إذن سبحانه يريد من المؤمن أن يؤمن بالقمة العليا، وهي الإيمان بالله واجب الوجود الأعلى، وأن يؤمن بالبلاغ عنه كتابا، وأن يؤمن بالبلاغ عنه رسالة على لسان أي رسول. والذين يؤمنون مرة برسول ثم يكفرون برسول آخر، أو الذين يؤمنون برسول ثم يكفرون بنسبة الصاحبة أو الولد لله ثم يزدادون كفرا بالخاتم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لهم مجال مع الهداية إلى الله لأن الإسلام جاء بالنهاية الخاتمة وليس للسماء من بعد ذلك استدراك، وليس لأحد من بعد ذلك استدراك، ولذلك قال في أول الآية: ﴿ آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ﴾. وقال في آخر الآية: ﴿ ثم ازدادوا كفرا ﴾ أي أنهم لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وليس هناك مجال أن ينتظروا رسولا آخر لينسخوا كفرهم بمحمد ويؤمنوا بالرسول الجديد. ويوضح سبحانه: لم يكن الله ليهديهم لأنهم هم الذين صرفوا أنفسهم عنه، فالله لا يمنع الهداية عمن قدم يده ومدها إليه، بل يعاونه في هدايته، أما من ينفض يده من يد الله فلا يبايعه على الإيمان فالله غني عنه، ومادام الله غنيا عنه فسيظل في ضلاله لأن الهداية لا تكون إلا من الله. ولم يكن الله ليهديهم سبيلا إلى هداية أخرى ولا هادي إلا هو. ولم يكن الله ليهديهم سبيلا إلى الجنة لأنهم لم يقدموا الأسباب التي تؤهلهم للدخول إلى الجنة. ولذلك يشرحها الله في آية أخرى:

لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق جهنم خالدين فيهآ أبدا

[النساء: 168-169] وهكذا نجد طريق جهنم معبدا مذللا بالنسبة لهم. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ بشر المنافقين... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٧١