وآتوا اليتامى أموالهم
[النساء: 2] وسبحانه يتكلم في المهور والأموال ويرتفع بالأمر إلى مرتبة اعتبار حسن التصرف في أمور اليتامى من المسئولية الإيمانية فقد تكون اليتيمة لا مال لها وليست جميلة حتى يطمع فيها أو في مالها، وفي هذه الحالة يجب على الولي أن يرعاها ويرعى حق الله فيها. وقوله الحق: ﴿ وأن تقوموا لليتامى بالقسط ﴾ هو أمر بأن يقوم المؤمن على أمر اليتامى بالعدل لأن اليتيمة قد تكون مع الولي ومع أهله، وقد يكون لليتيمة شيء من الوسامة، فيسرع إليها الولي بعطف وحنان زائد عن أولاده، وينبه الحق أن رعاية اليتيمة يجب أن تتسم بالعدل، ولا تزيد. ويقول سبحانه: ﴿ وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ﴾ ليدلنا على أن أمر الفعل والقيام به ليس مناط الجزاء، ولكن أمر النية في الفعل هو مناط الجزاء، فإياك أيها المؤمن أن تقول: فعلت، ولكن قل: فعلت بنية كذا. إن الذي يمسح على رأس اليتيم يكون صاحب حظ عظيم في الثواب، ومن يكفل اليتيم فهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. والذي يقدر ذلك هو الله - سبحانه - العليم بالخفايا حسب نية الشخص الذي يقوم بهذا العمل فقد يتقرب واحد من يتيم ويتكلف العطف والحنان بينما يقصد التقرب إلى أم اليتيم لذلك فمناط الجزاء ومناط الثواب هو في النية الدافعة والباعثة على العمل. ولا يكفي أن يقول الإنسان: إن نيتي طيبة، ولا يعمل فالحديث الشريف يقول:
" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه "
أي لا بد من ارتباط واقتران النية بالعمل لأن الله يريد منا أن نعمل الخير وبذلك يعدي الإنسان الخير من نفسه إلى غيره وهذا هو المطلوب، فوجود النية للخير وحدها لا يكفي، وإن افتقد الإنسان النية وأدى العمل فغيره يأخذ خيره ولا يأخذ هو شيئا سوى التعب. فإن أراد الإنسان أن يكون له ثواب فلا بد من وجود نية طيبة، وعمل صالح. ولم يقل الحق: " وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم " لأنه سبحانه عليم لا بعد أن نصنع العمل بل بكمال قدرته يعلم قبل أن نصنع الخير، وكل شيء كان معلوما لله قبل أن يخلق الوجود، ولا ينتظر سبحانه إلى أن يقوم الإنسان بالعمل حتى يحصل ويحدث منه العلم. بل إنه - جل شأنه - يعلم كل شيء علما أزليا لذلك قال: ﴿ فإن الله كان به عليما ﴾ لأن كل أمر برز في الوجود إنما كان على وفق ما علمه الله أزلا قبل أن يوجد الوجود. وفي المجال البشري نرى المهندس يتلقى التعليمات من صاحب الأرض الخلاء ويقول له: صمم لي قصرا صغيرا على مساحة كذا ومكونا من كذا حجرة. وعدد محدود من دورات المياه، وبعد ذلك يصمم المهندس الرسم الهندسي على الورق حسب أوامر صاحب الأرض. وقد يكون صاحب الأرض دقيقا فطنا غاية في الدقة فيقول للمهندس: إنني أريد أن تصنع لي نموذجا صغيرا قبل البناء بحيث أرى تطبيقا واقعيا بمقياس هندسي مصغر، وأن تبنى الحجرات بقطاعات واضحة حتى أرى ألوانها وكيفيتها. هكذا العالم قبل أن يوجد، كان معلوما علما تفصيليا بكل دقائقه وأبعاده عند خالقه، والنماذج المصغرة التي يصنعها البشر قد يقصر البشر فيها عن صناعة شيء لعدم توافر المواد، كالنجار الذي يقصر في صنع حجرة نوم من خشب الورد لندرته، فيستعيض بخشب من نوع آخر، وذلك خلل في علم وقدرة المنفذ. أما خلق الله فهو يبلغ تمام الدقة لأنه - سبحانه - هو الصانع الأول. هذا ما يجب أن نفهمه عندما نقرأ: ﴿ فإن الله كان به عليما ﴾. وبعد ذلك يتكلم الحق عما يتعلق بالنساء فيقول: ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا... ﴾.