" والحوار الذي دار بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحد صحابته وكان اسمه الحارث فقال له: " كيف أصبحت يا حارث؟ " فقال: أصبحت مؤمنا حقا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ " قال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت لذلك ليلي وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها يتصايحون فيها فقال: " يا حارث عرفت فالتزم ثلاثا " ".
ويعرف الإنسان من أهل الصلاح أنه في لقاء دائم مع الله، لذلك يضع برنامجا لنفسه موجزة أنه يعلم أنه لا يخلو من نظر الله إليه وهو معكم أينما كنتم إنه يستحضر أنه لا يغيب عن الله طرفة عين فيستحيي أن يعصيه. ويوضح الحديث ما رواه سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما سأل جبريل - عليه السلام - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ". وعندما تتيقن أن الله ينظر إليك فكيف تعصيه؟ أنت لا تجرؤ أن تفعل ذلك مع عبد مساو لك.. فكيف تفعله مع الله؟!! وتتجلى العظمة في قوله الحق: ﴿ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾ لماذا إذن " ملة إبراهيم "؟ لأن القرآن يقول عن إبراهيم:
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا
[النحل: 120] ومعنى كونه " أمة ": أنه الجامع لكل خصال الخير التي لا تكاد تجتمع في فرد إلا إن وزعنا الخصال في أمة بأكملها فهذا شجاع وذلك حليم والثالث عالم والرابع قوي، وهذه الصفات الخيرة كلها لا تجتمع في فرد واحد إلا إذا جمعناها من أمة. وأراد الحق سبحانه لإبراهيم عليه السلام أن يكون جامعا لخير كثير فوصفه بقوله:
إن إبراهيم كان أمة
[النحل: 120] ويقول هنا عن ملة إبراهيم: ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾. والملة هي الديانة و " حنيفا " أي " مائلا عن الباطل إلى الحق ". والمعنى اللغوي لكلمة " حنيف " أنه هو " المائل ". وكان إبراهيم حنيفا عن الباطل. ومتى ترسل الرسل إلى الأقوام نعرف أن الرسل تأتي إذا طم الفساد وعم، وحين تكون المجتمعات قادرة على إصلاح الفساد الذي فيها.. فالحق سبحانه يمهل الناس وينظرهم، لكن إذا ما بلغ الفساد أوجه، فالحق يرسل رسولا. وحين يأتي الرسول إلى قوم ينتشر فيهم الفساد، فالرسول يميل عن الفساد، بهذا يكون الميل عن الاعوجاج اعتدالا. ﴿ واتبع ملة إبراهيم حنيفا ﴾. ويأتي الحق من بعد ذلك بالغاية الواضحة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ فما هي حيثيات الخلة؟ لأنه يتبع أفضل دين، ويسلم لله وجهه، وكان محسنا، واتبع الملة، وكان حنيفا، هذه هي حيثيات الخلة. وكلها كانت صفات سيدنا إبراهيم عليه السلام.
لقد حدثونا أن جبريل عليه السلام قد جاء لسيدنا إبراهيم عندما ألقاه أهله في النار، فقال جبريل يا إبراهيم: ألك حاجة؟. فقال إبراهيم: " أما إليك فلا " ، فقال جبريل فاسأل ربك فقال: " حسبي من سؤالي علمه بحالي " فقال الله: " يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم " أي أنه لا يطلب من جبريل بذاته شيئا. وتلك قمة الإسلام لله. كما أننا نعرف مدى أنس الناس بأبنائها ونعلم إن إسماعيل قد جاءه ولدا في آخر حياته، وأوضح له الحق أنه مبتليه، وكان الابتلاء غاية في الصعوبة فالابن لا يموت ولا يقتله أحد ولكن يقوم الأب بذبحه، فكم درجة من الابتلاء مر بها إبراهيم عليه السلام؟! وسار إبراهيم لتنفيذ أمر ربه، ولذلك نقرأ على لسان إبراهيم عليه السلام:
يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى
[الصافات: 102] ويجعل الحق ذلك برؤيا في المنام لا بالوحي المباشر. ولننظر إلى ما قاله إسماعيل عليه السلام. لم يقل: " افعل ما بدا لك يا أبي " ولكنه قال: