تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[الأنعام: 143-144] فهل المحرم هو " الذكران " أو الأنثيان أو الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟. لا شيء من هذه كلها محرم فقد خلقها الله كلها رزقا حلالا. والنعمة نفسها تعرف وظيفتها، ونلحظ في الريف المصري عندما تختنق جاموسة أو بقرة أو خروف بالحبل. أو يصاب بأذى أو مرض فإنه ينام ويمد عنقه فيقال: " لقد طلب الحلال " ، كأن البهيمة تقول لصاحبها: الحقني بالذبح لتستفيد من لحمي ونتعجب لأن الحمار مثلا لا يفعل ذلك لأن لحمه غير محلل. لكن البهيمة تعرف فائدتها بالنسبة للإنسان فتمد رقبتها طالبة الذبح، كما نعرف أنها في أثناء حياتها تخدم الإنسان إما في أن تحمل الأثقال، وإما أن يأخذ منها الألبان أو الوبر أو الصوف أو الشعر، ولحظة ما يدهمها ويغشاها ويصيبها خطر فهي تمد رقبتها كأنها تطلب الذبح ليستفيد الإنسان من لحمها، فهي مسخرة للإنسان وتعرف ذلك إلهاما وتسخيرا.

ومادام الله قد جعل لنا كل هذا.. فلم نقبل تحريم غير المحرم وتحليل غير الحلال؟ لكن السدنة كانوا يفعلون الأعاجيب للسيطرة على الناس، فإذا ما ولدت الناقة أربعة أبطن وجاءت بالمولود الخامس ذكرا يقول السدنة: يكفي أنها جاءت بأربعة بطون وأتت بالخامس فحلا ذكرا ويشقون أذن الناقة ويتركونها وعندما يراها أحد ويجد أذنها مشقوقة فالعرف يقضي بألا تستخدم في أي شيء، لا في الرضاعة، ولا في الحمل ولا يحلب لبنها ولا تمنع من المياه أو الكلأ وتسمى " البحيرة " ويأخذها السدنة في أي وقت لأنهم لا يرديون تخزين اللحوم، يريدونها حية ليذبحوها في الوقت الذي يتراءى لهم، ولذلك قال الحق:

ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام

[المائدة: 103] والبحيرة - إذن - هي الناقة التي تبحر آذاتها - أي تشق - فذلك يعني أنها جاءت بأربعة أبطن تباعا ثم جاءت بالذكر في البطن الخامسة ويهبها صاحبها للأصنام. والبحيرة سائبة مع وجود سائبة أخرى، وهي وإن لم تأت بأربعة أبطن ولا بالذكر في البطن الخامسة ولكن صاحبها يقدمها نذرا أو هدية لأحد الأصنام. وتسمى " سائبة " لأن أحدا لا يقوم على شأنها، ولكنها ترعى في أي أرض وتشرب من أي ماء ولا أحد يأخذ من لبنها أو يركبها، ويأخذها السدنة وقت احتياجهم للحم الطازج الغض. وإذا ولدت الشاة أنثى جعلوها لهم، وإن ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى لم يذبحوا الذكر لآلهتهم وقالوا عن الشاة: وصلت أخاها فهذه هي الوصيلة لأن الناس كانت تحتفظ بالإناث من البهائم فهي وعاء النسل لذلك فهبة الفحل للسدنة كان أمرا مقدورا عليه. ويقول الشاعر:

وإنما أمهات القوم أوعية

مستحدثات وللأحساب آباء

ونرى في المزارع أن إناث المواشي تحتاج إلى فحل واحد وقد يكون في البلدة كلها فحل واحد أو اثنان لإناث الماشية من النوع نفسه، ويفرح الأطفال في الريف حين تلد الماشية ذكرا لأنه سيتغذى قليلا ثم يتم ذبحه ويأكلون منه. ويغضب الأطفال حين تلد الماشية أنثى لأنه سيتم تربيتها، ولن يأكلوا منها. أي أنهم قديما عندما كانت الماشية تلد في بطن واحد أنثى وذكرا لا يذبحون الذكر ويقولون: الأنثى وصلت أخاها ويضمن الذكر حياته ويستخدم كفحل ليلقح بقية الإناث، ويقال عنها: الوصيلة. هكذا نجد البحيرة هي الناقة التي أنجبت خمسة أبطن آخرها ذكر، والسائبة وهي النذر من أول الأمر، والوصيلة وهي التي ولدت أنثى ومعها ذكر، فيقال وصلت الأنثى أخاها، أي قدمت له الحماية. والحام هو الذكر الذي نتجت من صلبه عشرة أبطن فلا يركب ولا يحمل عليه، ولا يمنع من ماء ولا مرعى وقالوا: حمى ظهره.

وهناك من يتحذلق في عصرنا قائلا: أنا نباتي، لا آكل اللحم، على الرغم من أن الواحد منهم قد يذبح إنسانا ويدعي الحزن عند ذبح دجاجة، ونقول لهؤلاء: انتبهوا إن الله قد سخر لنا هذه الأنعام وهي نفسها تحب أن ينتفع بها. ومن وسائل الشيطان ما يقوله الحق: ﴿ ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ﴾ وعرفنا أنهم كانوا يفعلون ذلك من أجل إرضاء سدنة الأصنام، هؤلاء السدنة الذين أحبوا أن تظل هذه الأصنام وهذه الأنعام المرصودة من أجلها. ولذلك أقول دائما: آه من أن يرتبط رجل دين بمسائل دنيا فهذا مصدر للخوف من أن يزيف الدين لمصلحة الأهواء. ومن وسائل الشيطان ما يقوله الحق على لسان الشيطان: ﴿ ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ﴾. وكشف لنا الحق كيف صار للشيطان أمر على هؤلاء الناس، مع ان الأمر يجب أن يكون لله وحده، ونتساءل: كيف يغيرون من خلق الله؟ وكل شيء هو من خلق الله. والخلق - كما نعلم - إيجاد من عدم، وسبحانه خلق كل شيء وجعل لكل كائن وظيفة ما، فهو خلق عن حكمه لغاية، وهذه الغاية موجودة في علم الخالق أزلا - ولله المثل الأعلى - نجد المستحدث الصناعي في الأسواق كغسالة الملابس مثلا ونعرف أن الذي صممها إنما صممها من أجل راحة الناس، وقد فكر في هذا الهدف قبل أن يصنع ويصمم الآلة التي تؤدي هذا العمل لتريح الناس من تعب غسل الملابس بأيديهم، وكذلك من صمم " الميكروفون " أراد في البداية هدفا هو أن يصل الصوت لمن هو بعيد، ثم بدأ البحوث والتطبيقات من أجل أن يصل إلى الغاية والقصد. والحق سبحانه وتعالى خلق كل خلق من خلقه لغاية، فإن استعملنا مخلوقه لغايته فلن نقع في محظور تغيير خلق الله، ولكن لو استعملنا المخلوق لغير الغاية فهذا هو التغيير لخلق الله، وساعة نريد فهم لفظ من الألفاظ فلنبحث في القرآن عن نظائره، وقد نجد في القرآن نفسه ما يفسر القرآن نفسه، فالحق يقول هنا: ﴿ فليغيرن خلق الله ﴾ ، وفي موقع آخر يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١٤١