ثم قال سبحانه: ﴿ إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ [النساء: 104] أي إنه إذا كان يصيبكم ألم الحرب والإعداد لها، فأنتم أيضا تحاربون قوما يصيبهم ألم المواقع والحروب والإعداد لها فأنتم وهم متساوون في إدراك الألم والمشقة والتعب، ولكن يجب ألا تغفلوا عن تقييم القوة فلا تهملوها لأنها هي القوة المرجحة. فأنتم تزيدون عليهم أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. والأشياء يجب أن تقوم بغاياتها والثواب عليها. لا يقولن أحد أبدا " هذا يساوي ذلك ".. فلا يهمل أحد قضية الثواب على العمل. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في شرح هذه المعادلة حتى تكون الأذهان على بينة منها إعدادا وخوضا للحرب واحتمالا لآلامها:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين
[التوبة: 52] عليكم أيها الكافرون أن تعلموا أن الذي ينتظرنا هو إحدى الحسنيين.. إما أن ننتصر ونقهركم، وإما أن نستشهد فنظفر بالحياة الأخرى. وماذا عن تربص المؤمنين بالكافرين:
ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا
[التوبة: 52] كفة من - إذن - هي الراجحة في المعادلة؟ إنها كفة المؤمنين لذلك قال الحق: ﴿ ولا تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ﴾ [النساء: 104] فلا تضعفوا أيها المؤمنون في طلب القوم لأنهم يألمون كما تألمون، ولكن لكم مرجحا أعلى وهو أنكم ترجون من الله ما لا يرجون. ويذيل الحق قضية حث المؤمنين على طلب الكافرين وكيف يزيد المؤمنون على الكافرين بأنهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكافرون فيقول: ﴿ وكان الله عليما حكيما ﴾ [النساء: 104] إنه عليم بكل ما يصيب المؤمن من ألم، فلا تعتقد أيها المؤمن أن لك أجرا سيضيع منك فالشوكة التي تشاك بها في القتال محسوبة لك، وهو سبحانه وتعالى حين يتركك تألم أمام الكافر كما يألم. فذلك لحكمة هي أن تسير إلى القتال وأنت واثق من قدرة إيمانك على تحمل تبعات هذا الدين. عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما يصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة ".
وبعد أن تكلم الحق عن القتال في سبيل نصرة دينه لم يحرم المؤمنين من توجيه يصفي أيضا حركة الحياة، لماذا؟ لأنه علم أن قوما يؤمنون به وينضوون تحت لوائه صلى الله عليه وسلم، فيوضح: أن انضواءكم أيها المؤمنون تحت لواء الإسلام له تبعات، فأنتم أول من يطبق عليه حكم الله، وإياكم أن تظنوا أنكم بإيمانكم وإعلان إسلامكم لله واتباعكم لرسول الله قد أخذتم شيئا يميزكم عن بقية خلق الله، فكما قلنا لكم دافعوا الكفار ودافعوا المنافقين نقول لكم أيضا: دافعوا أنفسكم لأن واحدا قد ينضم إلى الإسلام وبعد ذلك يظن أن الإسلام سيعطيه فرصة ليكون له تميز على غيره، ولمثل هذا الإنسان: نقول لا. ولذلك يخاطب رسوله صلى الله عليه وسلم ويقول له: ﴿ إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق... ﴾.