تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم

[الحشر: 9]. والدار هي مكان باستطاعة الإنسان أن يتبوأه ويقيم به، فما معنى أن يتبوأ الإنسان الإيمان وهو أمر معنوي؟. إنه سبحانه في هذا القول يصف الأنصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين، والدار - كما نعرف - هي المكان الذي يرجع إليه الإنسان، والإيمان هو مرجع كل أمر من الأمور. إذن فقد جعل الحق سبحانه الإيمان كأنه يتبوأ، أي جعله شيئا ينزل الإنسان فيه، والإيمان كذلك حقا، والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة المنورة، حيث استقبل الأنصار المهاجرين.

والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون

[الحشر: 9]. وهكذا يجسم الحق المعنويات لنفهم منها الأمر وكأنه أمر حسي، تماما كما قال الحق: ﴿ فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ﴾ [النساء: 102]. وهذا ما يوضح لنا لماذا أمر الله أن يأخذ المسلمون الحذر والأسلحة لأن المقاتل يجب أن يخاف على سلاحه ومتاعه. فلو فقدها المقاتل لفقد أداة القتال ولصارت أدوات قتاله قوة لعدوه. فحين يأخذ المقاتل السلاح من عدوه، يتحول السلاح إلى قوة ضد العدو.

لذلك كان التحذير من فقد الأسلحة والأمتعة حتى لا تضاف قوة السلاح والمتاع إلى قوة العدو لأن في ذلك إضعافا للمؤمن وقوة لخصمه. وعدو الإسلام يود أن يغفل المسلمون عن الأسلحة والمتاع، والمؤمن ساعة الصلاة يستغرق بيقظته مع الله، ولكن على الإنسان ألا يفقد يقظته إن كان يصلي أثناء الحرب، فلا يصح أن ينسى الإنسان سلاحه أثناء القتال حتى وهو يصلي، فالقتال موقف لله، فلا تفصل القتال في سبيل الله عن الصلاة لله. ﴿ ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ﴾ [النساء: 102] والغفلة هي نسيان طارئ على ما لا يصح أن ينسى، وفي هذا تحذير واضح لأن الغفلة أثناء القتال هي حلم للكافرين حتى يحققوا هدفهم المتمثل في قول الله: " فيميلون عليكم ميلة واحدة ". فمعسكر الكفر يتمنى أن يهجم على المؤمنين في لحظة واحدة، هذا هو المقصود بقوله: " فيميلون عليكم ميلة واحدة ". ولكن لنر من بعد ذلك قول الحق: ﴿ ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ﴾ [النساء: 102]. ونجد هنا أن كلمة " الحذر " تكررت، وسبحانه بجلال جبروته أعد للكافرين عذابا مهينا، وفي ذلك بشارة منه أن الكافرين لن ينالوا من المؤمنين شيئا، فلماذا جاء الأمر هنا بأخذ الحذر؟. إن أخذ الحذر لا يعني أن الله تخلى عن المؤمنين، ولكن لتنبيه المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب، ولا يغفلوا عن المسبب لأنه سبحانه هيأ وأعد العذاب المهين للكافرين. " إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ". وهذا ما يجب أن نفهمه حتى لا يتوهم أحد أن الله عندما نبه كثيرا بضرورة الأخذ بالحذر ثم أنه يتخلى عنا، لا. إنه سبحانه يوضح لنا أن نأخذ بالأسباب ولا نهملها وهو القائل " إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ". ومن بعد ذلك قال الحق: ﴿ فإذا قضيتم الصلاة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١١١٧