وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..
[إبراهيم: 22]. وبعد أن تكلم الحق عن القتال ومشروعيته، وقتال المنافقين، وقتال الآخرين. نجد الكلام يصل إلى موضوع القتل. فأوضح لهم: المسألة أنني أنا الذي عملت البنيان الآدمي، والحياة أنا الذي أهبها، وليس من السهل لباني البنيان أن يحرض على هدمه، إنما أنا أحرض على هدم هؤلاء الذين يقاتلونكم لكي يسلم باقي البنيان لكم، وإياكم أن تجترئوا على بنيانات الناس، فملعون من يهدم بنيان الله فالنفس التي خلقها الله، إياك أن تقترب من ناحيتها إلا بحقها وذلك بأن اجترأت على حدود الله لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وهو الذي يأخذ الحياة، وحياة الناس ليست ملكا لهم فحياة الإنسان نفسه ليست ملكا لنفسه، ولذلك فمن يقتل واحدا، عدوانا دون حق نقتص منه، وأما إن كان ذلك قد قتل خطأ فنأخذ منه الدية، وتنتهي المسألة. لكن قاتل نفسه تحرم عليه الجنة. إذن فقبل أن يقول لي: لا تقتل غيرك قال لي: إياك وأن تقتل نفسك. إذن فسبحانه ليس بغيور فقط على الناس منك، بل يغار عليك أيضا من نفسك، ولذلك فحين شرع سبحانه القصاص في القتل شرعة ليحميك لا ليجرئك على أن تقتل، أما عندما يأمر سبحانه: أن من قتل يقتل.
فهو يقسط ويعدل، والقصد من هذا الحفاظ على حياتين لأنك إن علمت أنك إن قتلته قتلت لا تقتل. وما دمت لا تقتل فقد حميت حياتين حياة من كنت ستقتله وحياتك من أن يقتص منك وهذا هو معنى قوله:
ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب..
[البقرة: 179]. إذن فالذي يتفلسف ويقول: هذه بشاعة وكذا وكذا نقول له: الذي يشرع القصاص أيريد أن يقتل؟ لا، بل يريد أن يحمي حياتك لأن القاتل عندما يعلم أنه إن قتل يقتل فلا يقتل، وما دام لا يقتل نكون قد حافظنا على حياته وحياة الآخر. إذن فقوله:
ولكم في القصاص حياة..
[البقرة: 179] قول صدق. وعندما تكلم الحق عن القتال والقتل ينبهنا: إياكم وأن تجترئوا بسبب هذه المسائل على دماء الناس ولا على حياتهم لذلك يتكلم سبحانه عن القتل المحظور في الإيمان والإسلام ويقول: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا... ﴾.