تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله.. ".

إن المنافقين هم الذين يتعبهم وجود نور لأنهم ألفوا الحياة في ظلام، ويرهقهم وجود عدل لأنهم استمرأوا الحياة في المظالم، لذلك فهم يحاولون أن يتصيدوا شيئا ليقفوا في أمر هذه الدعوة، فقالوا: أما سمعتم لصاحبكم.

إنه قارب الشرك.. يقول: لا تعبدوا إلا الله ومع ذلك يريد أن يجعل من نفسه ربا له حب وله طاعة. وينزل الحق على رسوله قوله: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله.. ﴾ [النساء: 80]. إذن فالطاعة هنا ليست ذاتية للرسول لأنها إما بلاغ عن الله في النص الجزئي، وإما بلاغ عن الله في التفويض الكلي، وما دامت بلاغا من الله في التفويض الكلي فيكون الله قد أمنه أن يشرع: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله.. ﴾ [النساء: 80]. ما هو مقابل الطاعة؟. إنه التولي والعصيان، ورأينا الناس تنقسم تجاه الرسول إلى قسمين: قسم يطيعه في " افعل ولا تفعل " ، وما لم يرد فيه: " افعل ولا تفعل " فهو داخل في حكم المباحات إن شئت فعلته وإن شئت لم تفعله فالذين يستجيبون للرسول أي يطيعونه في " افعل ولا تفعل " هم من أقبلوا على المنهج. والذين لا يطيعونه فقد " تولوا " أي أعرضوا وصدوا. انظروا إلى الحق سبحانه وتعالى كيف يحمي نفسية الرسول فيقول سبحانه: ﴿ ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ [النساء: 80] فالذي يتولى ولا يطيع الرسول، فالحق لم يرسلك يا محمد لترغمهم على الإيمان. وهناك فرق بين " أرسلناك لهم " أو " أرسلناك إليهم " و " أرسلناك عليهم ". ف " أرسلناك لهم " تعني أنك تبلغ فقط، إنما " عليهم " فهي تعني لتحملهم على كذا، أي يجب أن تنتبه يا محمد إنا أرسلناك للناس - لا على الناس - لتبلغهم، فمن شاء فليطع ومن شاء فليعص، فلا تجهد نفسك وتظن أننا أرسلناك عليهم لترغمهم على أن يؤمنوا، فتكلف نفسك أمرا ما كلفك الله به:

ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء..

[البقرة: 272]. والحق يقول أيضا:

فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر

[الغاشية: 21-22]. وفي آية أخرى يقول:

ومآ أنت عليهم بجبار..

[ق: 45]. " جبار " يعني تجبرهم على أن يطيعوا. فالإجبار يتنافى مع التكليف ويتنافى مع دخول الإيمان طواعية ويتنافى مع الاختيار. ﴿ فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ [النساء: 80] والحفيظ هو: الحافظ بمبالغة، تقول مثلا: هذا حافظ مال فلان، وهذا حفيظ مال الناس جميعا يعني عنده مبالغة في الحفظ، إذن فالمبالغة جاءت في تكرير الحدث فهو يحفظ لذلك الإنسان ولغيره. والحق يؤكد ذلك لمصلحته صلى الله عليه وسلم لأنه سبحانه بين لنا شغل رسول الله بأمته، وأنه يحب أن يكونوا جميعا مؤمنين ملتزمين مطيعين، ولذلك يقول الحق:

لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين

[الشعراء: 3]. إنهم لا يؤمنون، فيوضح له سبحانه: أرح نفسك، فعليك البلاغ فقط.

وهكذا يخفف الله مهمة الرسول. ونجد أغلب عتابات الله لرسول الله، لا لأنه خالف، ولكن لأنه حمل نفسه فوق ما تفرضه عليه الرسالة، مثل من يثيرون قصة ابن أم مكتوم، فيقولون: النبي أخطأ ولذلك قرعه الله ووبخه. نقول لهم: كان الرسول يرغب أن يؤمن به صناديد قريش العتاة الكافرون، وجاءه ابن أم مكتوم مؤمنا ويريد أن يستفهم، وكان من الأسهل أن يتعرض لابن أم مكتوم ولا يتعرض للصناديد الذين يخالفونه! لكن النبي صلى الله عليه وسلم ترك السهل وذهب للصعب، فكأنه سبحانه يتساءل: لماذا أتعبت نفسك.

وما عليك ألا يزكى

[عبس: 7] أي ما الذي يجعلك تتعب، إذن فهو يلومه لصالحه لا لأنه خالف. فكأن الحق سبحانه وتعالى حينما يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فمآ أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ [النساء: 80]، إنما قاله ليخفف عن الرسول. إذن الحفيظ هو الذي يحافظ على من يبلغه أمر الله وأن يكون سائرا على منهج الله. إن أراد أن ينحرف يعدله، فيوضح سبحانه: أنا لم أرسلك حفيظا عليهم، أنا أرسلتك لتبلغهم، وهم أحرار يدخلون في التكليف أو لا يدخلون. إذن فالحفيظ هو المهيمن والمسيطر، كما قال في الآيات الأخرى: والمسيطر أو الجبار هو الذي يحملهم على الإيمان، والكلام في الطاعة المقصودة لله. وأن تنفذ جوارحك ما يأمر به سبحانه فيما تسمعه أذنك وما ينطق به لسانك، وليست الطاعة أن تقول: يا رسول الله نحن طائعون، وبعد ذلك تحاول أن تخدش هذه الطاعة بأن تجعلها طاعة لسان وليست طاعة جوارح. فطاعة اللسان دون الجوارح غير محسوبة من الإيمان. ولهذا يقول الحق بعد ذلك: ﴿ ويقولون طاعة فإذا برزوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ١٠٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ١٠٦١