تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53.6-7

قوله تعالى: ﴿ ذو مرة فاستوى ﴾؛ أي جبريل عليه السلام ذو قوة وشدة في خلقه. وقيل: ذو منظر حسن، قال قطرب: (يقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو مرة). قال الشاعر:

قد كنت قبل لقائكم ذا مرة

عندي لكل مخاصم ميزانه

وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله إن الله تعالى ائتمنه على تبليغ وحيه إلى جميع رسله.

وقوله تعالى: ﴿ فاستوى ﴾ يعني جبريل، وقيل: المعنى: ﴿ ذو مرة ﴾ أي ذو مرور في الجو منحدر أو صاعد على السرعة. وقوله تعالى: ﴿ فاستوى ﴾ أي فانتصب واقعا على صورة الملائكة التي خلقه الله عليها، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم منتصبا في السماء بعد أن كان مسرعا، فاستوى في أفق المشرق في رأي العين، كما روي في الحديث:

" أنه طبق الأفق كله بكلكله، له ستمائة جناح فيها ألوان زاهرة، وتتنافر منه الدرر "

وذلك قوله تعالى: ﴿ وهو بالأفق الأعلى ﴾؛ يعني جانب المشرق وهو فوق جانب المغرب.

53.8-9

قوله تعالى: ﴿ ثم دنا فتدلى ﴾؛ أي دنا جبريل عليه السلام بعد استوائه بالأفق الأعلى، ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾؛ قال المفسرون: وذلك أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء.

فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، يعني أفق المشرق، وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه، فنزل جبريل عليه السلام في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه، وهو قوله ﴿ ثم دنا فتدلى ﴾ أي قرب بعد بعده وعلوه في الأفق الأعلى.

والمعنى: نزل جبريل عليه السلام بعد استوائه، فدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتدلى اليه بأن نكس رأسه فرآه النبي صلى الله عليه وسلم متدليا كما رآه منتصبا حتى بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم قدر قاب قوسين من قسي العرب أو أدنى، معناه: وأقرب في رأي العين.

قال الزجاج: (كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدار قوسين، وإنما خص القوس في الآية؛ لأن مقدارها في الأغلب لا يتفاوت بزيادة ولا نقصان). ويقال: إن المراد بالقوس هنا الذراع، وسمي الذراع قوسا لأنه تقاس به الأشياء، قال ابن مسعود: (معناه: فكان قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين).

وأما دخول (أو) ها هنا في قوله: ﴿ أو أدنى ﴾ معناه: أو أدنى فيما تقدرون أنتم والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا.

ومعنى قوله تعالى: ﴿ قاب قوسين ﴾ أي قدر قوسين، يقال (قاب قوسين) وقيب قوسين وقيد قوسين، كل بمعنى واحد. والتدلي في اللغة: هو الامتداد إلى جهة الأسفل، ومنه تدلى القبر، ومنه إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر.

ومن الدليل على أن المراد بشديد القوى جبريل عليه السلام، قوله تعالى:

إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين

[التكوير: 19-20]

ولقد رآه بالأفق المبين

[التكوير: 23] وهو مطلع الشمس.

التفسير الكبير · الصفحة ١٨٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٨٩٨