42.51
قوله تعالى: ﴿ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشآء ﴾؛ أي ما كان لآدمي أن يكلمه الله مواجهة بغير حجاب، إلا أن يوحي أن يقذف في قلبه ويلهم إما في المنام أو بالإلهام، كما أخبر الله في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله
إني أرى في المنام أني أذبحك
[الصافات: 102].
وقوله تعالى: ﴿ أو من ورآء حجاب ﴾ كما كلم موسى عليه السلام، كان يسمع كلامه من حيث لا يراه، أو يرسل من الملائكة جبريل أو غيره فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما يشاء الله.
قال الزجاج: (المعنى: أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم). فمن قرأ (أو يرسل) بنصب اللام فمعناه: أو أن يرسل رسولا من الملائكة، كما أرسل جبريل عليه السلام، وتقديره: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أن يوحي إليه أو يكلمه من وراء حجاب أو يرسل رسولا. ومن قرأ بالرفع أراد: وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف، والوقف كاف على ما قبله.
وقوله تعالى: ﴿ إنه علي حكيم ﴾؛ أي هو أعلى من أن يدركه الخلق بالأبصار الفانية بلا حجاب، الحكيم فيما يأمر وينهى.
42.52-53
قوله تعالى: ﴿ وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ﴾؛ أي كما أوحينا إلى الرسل من قبلك أوحينا إليك جبريل بالقرآن الذي " فيه " حياة القلوب من الجهل. ومن هذا سمي القرآن روحا؛ لأنه سبب حياة الدين، كما أن الروح سبب حياة الجسد. وقال مقاتل: (معنى قوله ﴿ روحا ﴾ يعني الوحي) وهو القرآن؛ لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت الكفر. وقوله ﴿ من أمرنا ﴾ ، وقيل: إن الروح ها هنا جبريل.
وقوله: ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾؛ أي ما كنت تدري قبل الوحي ما الكتاب ولا ما الإيمان؛ قيل: لأنه كان لا يعرف القرآن قبل الوحي، ولا كان يعرف بشرائع الإيمان ومعالمه، وهي كلها إيمان، وهذا اختيار الإمام محمد بن جرير، واحتج بقوله
وما كان الله ليضيع إيمانكم
[البقرة: 143] يعني الصلاة سماها إيمانا. وقيل: معناه: ما كنت تدري ما الإيمان قبل البلوغ، يعني حين كان طفلا في المهد. وقال الحسين بن الفضل: (هذا من باب حذف المضاف؛ معناه: " أي ما كنت تدري ما الكتاب " ولا أهل الإيمان " أي " من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن)، وفي الجملة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على الكفر قط، وإنه كان على فطرة الإسلام حين ولد، وكذلك جميع أنبياء الله صلوات الله عليهم قبل الوحي كانوا مؤمنين، وكان محمد صلى الله عليه وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم عليه السلام.
قوله تعالى: ﴿ ولكن جعلناه نورا ﴾؛ يعني الوحي ودليلا على الإيمان والتوحيد، ﴿ نهدي به من نشآء من عبادنا ﴾؛ إلى دين الحق، ﴿ وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾؛ أي لتدعو الخلق كلهم بوحينا إليك إلى طريق قائم يرضاه الله وهو الإسلام. وقوله تعالى: ﴿ صراط الله الذي له ما في السموت وما في الأرض ﴾؛ خفض على البدل، وقوله تعالى: ﴿ ألا إلى الله تصير الأمور ﴾؛ أي إليه ترجع عواقب الأمور في الآخرة.