تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

34.22

قوله تعالى: ﴿ قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في الأرض ﴾؛ أي قل لكفار مكة: أدعوا الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله، قال مقاتل: (أي ادعوهم ليكشفوا عنكم الضرر الذي نزل بكم في سنين الجوع).

وقيل: معناه: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم لكي يرزقوكم ويدفعوا عنكم الشدائد، ثم إنهم لا يملكون مثقال ذرة؛ أي لم يخلقوا زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض، فمن أين يستحقون العبادة؟!

وقوله تعالى: ﴿ وما لهم فيهما من شرك ﴾؛ أي ما لهم في السماوات والأرض من شرك في خلقهما، وقوله تعالى: ﴿ وما له منهم من ظهير ﴾؛ أي وما الله تعالى منهم من معين فيما خلق.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ﴾؛ أي ولا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي ولا أحد حتى يأذن الله له في الشفاعة. وهذا تكذيب من الله لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (أذن) بضم الألف، وقرأ غيرهم بالفتح، فمن فتح كان المعنى لمن أذن الله له في الشفاعة، وكذلك من قرأ بالضم لأن الآذن هو الله تعالى في القراءتين جميعا.

34.23

قوله تعالى: ﴿ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ﴾؛ قرأ ابن عامر ويعقوب: (فزع) بفتح الفاء والزاي، وقرأ غيرهما بضم الفاء وكسر الزاي. والمعنى: حتى إذا كشف الفزع والجزع عن قلوبهم. ومن قرأ بالفتح فالمعنى: حتى إذا كشف الله الفزع عن قلوبهم.

واختلفوا في هذه الكتابة والموصوفين بهذه الصفة، من هم؟ ومن النصب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟ فقال قوم: هم الملائكة. واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنما فزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل.

قال عبدالله بن مسعود: (إذا تكلم الله تعالى بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة مثل صلصلة السلسلة على الصفوان، فيصعقون لذلك ويخرون سجدا، فإذا علموا أنه وحي فزع عن قلوبهم فترد إليهم، فينادي أهل السماوات بعضهم بعضا: (ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فيقولون له: ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق ".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضوعا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق ".

وقال صلى الله عليه وسلم:

" إذا تكلم الله بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا، فيكون أول من رفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل بالملائكة، فكلما مر بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير، فيقول مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر الله ".

وقال مقاتل والكلبي: (لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وخمسون عاما، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فسمعت الملائكة الصوت بالوحي، فظنوا أنها القيامة قامت، فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل بالرسالة، جعل أهل كل سماء يسألونه على وجه التعرف بعد ما انكشف الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال جبريل ومن معه: قال الحق).

وقيل: لما سمعت الملائكة الوحي صعقوا فخروا سجدا ظانين أنها القيامة، فلما نزل جبريل بالوحي انكشف فزعهم فرفعوا رؤوسهم، وقال بعضهم لبعض: (ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق) يعني الوحي ﴿ وهو العلي الكبير ﴾ أي الغالب القاهر السيد المطاع الكبير العظيم، فلا شيء أعظم منه.

التفسير الكبير · الصفحة ١٥٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٥٧٩