30.26
قوله تعالى: ﴿ وله من في السموت والأرض ﴾؛ أي هم عبيدا وملكا، ﴿ كل له قانتون ﴾ ، أي كل له مطيعون في الحياة والبقاء والموت والبعث، وإن عصوا في العبادة فهم منقادون لله عز وجل لا يقدرون على الامتناع من شيء يراد بهم من صحة ومرض وغنى وفقر وحياة وموت.
30.27
قوله تعالى: ﴿ وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده ﴾؛ أي هو الذي يبدأ الخلق من النطفة ثم يميته فيصير ترابا كما كان، ثم يبعثه في الآخرة. وقوله تعالى: ﴿ وهو أهون عليه ﴾؛ أي الإعادة هينة عليه، وما شيء عليه بعسير، وقد يذكر لفظ (يفعل) بمعنى (فعيل) كقوله (الله أكبر) بمعنى كبير، وكذلك أهون عليه أو هين عليه. قال الفرزدق:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل
على أينا تعدو المنية أول
يريد بقوله: لأوجل؛ أي وجل، وقال أيضا:
إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتا قوائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة. وإنما قيل على هذا التأويل؛ لأنه لا يجوز أن يكون بعض الأشياء على الله أهون من بعض.
قوله تعالى: ﴿ وله المثل الأعلى في السموت والأرض ﴾؛ أي له الصفة العليا وهي القدرة التي لا يجري عليها العجز، ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾؛ أي القاهر لكل شيء، الحكيم في جميع أفعاله.
30.28
قوله تعالى: ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم ﴾؛ أي وصف لكم أيها المشركون مثلا من أنفسكم، وبين لكم ذلك المثل من أنفسكم، ثم بينه فقال ﴿ هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم ﴾ ، أي هل لكم من عبيدكم وإمائكم من شركاء فيما رزقناكم من الأموال؛ أي هل يشاركونكم في أموالكم فتكونوا أنتم مع عبيدكم سواء فيما أعطيناكم، ﴿ فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ﴾ ، أي تخافون عبيدكم أن يقاسموكم في مالكم كما تخافون نساءكم وأقاربكم أن يورثوكم بعدكم، أو تخافوا لائمة عبيدكم إذا لم تعطوهم حقهم، كما تخافون لائمة بعضكم بعضا من الأقارب والشركاء إذا لم يؤدوا حقهم إليهم.
قالوا: لا! فقال: أفترضون لله تعالى ما لا ترضون لأنفسكم، تشركون عبيد الله في ملكه، وقد خلقهم، ولا تشركون عبيدكم فيما رزقكم الله وأنتم لم تخلقوهم، وتجعلون الخوف من عبيد الله كالخوف من الله إذ تعبدونهم كعبادة الله تعالى، ﴿ كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ﴾؛ أي هكذا يبين الآيات واحدة بعد واحدة ليكون ذلك أقرب إلى الفهم وواقع في القلب.
ومعنى ﴿ أنفسكم ﴾ ها هنا: أمثالكم من الأحرار، كقوله
ولا تلمزوا أنفسكم
[الحجرات: 11]. ومعنى الآية: كيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء وأنتم عبيدي وأنا مالكهم جميعا، فكما لا يجوز استواء المملوك مع سيده، كذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه.