تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يكرر ولم يعمم فظل السواد الأعظم من النصارى يعتقد إلى اليوم أن فيصلا كان

يريد جعل سورية تابعة للحجاز، وأنه كان قادرا على ذلك لو تم له الاستواء عليها،

وكل من الأمرين خطأ، ولم أكن أريد بهذه الخطة تأييد فيصل لذاته أو مشايعة

لحزبه - وأكثرهم من إخواني وأصدقائي - وإن كنت أعلم أنها أمثل ما يؤيد به،

وإنما كنت أقصد أن لا يتعادى أهل وطني بسببه وأن أدلهم على ما تحفظ به مصلحة

الوطن إذا أتاح القدر له أن يكون أمير البلاد أو ملكها بنفوذ حلفائه.

وجملة القول أنني كنت أتحرى في كل ما كنت أقوله وأكتبه النصح لجميع

أهل وطني مع المحافظة على ما ألزمتني إياه السلطة البريطانية بمصر وجعلته

شرطا في الإذن لي بالسفر، وإن كان ظلما واعتداء على حريتي الشخصية في

بلادي التي أنا أولى بالحرية فيها منهم، ولم أكن أتشيع لسلطة من السلطات التي

قسمت البلاد ولا متحاملا على واحدة منهن تحيزا لخصيمتها، ولا مهيجا على

السلطة الاحتلالية.

الدين والقوة والمصلحة في سياسة أوربة

وإني أرجو أن يكون الزمان قد أثبت لأهل البلاد على اختلاف أديانهم أن

جميع ما قلته في فرنسة وإنكلترة والحجاز هو الحق، وأن جميع ما اقترحته هو

المصلحة وإن لم يتذكروا أقوالي، فمن لم يكن ظهر له ذلك إلى اليوم كله أو

بعضه فسيظهر له عن قريب، فيعلم السوريون وهم شعب غير مسلح أنه لا قوة لهم

إلا بالاتحاد وجمع الكلمة، وأن الشعوب لا تنال من الحرية والاستقلال ولا من

الكرامة والارتقاء مع احتلال أجنبي إلا بقدر قوتها، وأن دول أوربة وإن بنيت

سياستها القديمة في الشرق الأدنى على دعوى حماية المسيحيين وإنصافهم أو إنقاذهم

من سلطة المسلمين فهي تتخذ الدين وسيلة إلى مصالحها ولا تبالي بما يعارضها وإن

نسف الدين وأهله في اليم نسفا.

والدليل على ذلك أن الدولة الفرنسية حامية المسيحيين الأولى في الشرق لا

دين لها، وأنها قد قوضت الآن بنيان القاعدة الأساسية للسياسة الأوربية في

الشرق - أعني قاعدة التنازع بين الهلال والصليب - وسبقت حلفاءها إلى الاتفاق مع

الترك الوطنيين الأقوياء في الأناضول وصرحت بأن لهم الحق في الاستقلال

التام واستعادة ما أخذه الحلفاء المنتصرون منهم، ورضيت بأن تنجلي لهم عن

جميع كليكية، وعن جزء عظيم الشأن من سورية والأمة الفرنيسة ترفع صوتها

بتأييد حكومتها في سبيل إعادة المودة بينها وبين الإسلام وخليفة المسلمين، وإذ

رأت أن هذا من مصلحتها لم يصدها عن تنفيذه حماية المسيحيين في تلك البلاد،

ولا قاعدة ما أخذ الصليب من الهلال لا يعود إلى الهلال.

وإن الدولة البريطانية ترجح المصلحة على الدين أيضا وهي ذات الصبغة

المسيحية الرسمية والملك الحامي للإيمان وواضعة قاعدة الصليب والهلال التي

ملأت الدنيا عنفا وتثريبا على فرنسة لاتفاقها مع مصطفى كمال باشا ناسخة للقاعدة

الأوربية المذكورة آنفا بعد أن كانت متفقا عليها وتاركة حماية الأقليات المسيحية في

كليكية فإنها قد سبقت إلى خطبة مودة الكماليين فلم تظفر بها، وضحت بالأرمن

الذين دفعتهم إلى عداوة دولتهم، وتركتهم يذوقون جزاء ثوراتهم وعصيانهم، ولم

تقبل أن تكون منتدبة لحمايتهم، بل لتأمين ما اعترفت به من استقلالهم، ثم إنها

تريد أن تعيد سلطان اليهود القومي إلى مدينة المسيح - عليه السلام - ومهد دينه

وهي تعلم أن ذلك يسوء كل مؤمن بالمسيح ولا يرضاه حتى من شعبها نفسه إلا

من يفضل الجنيه عليه وعلى إنجيله وأهل دينه، وأن كل ما يشكو منه أعداء الحجاز

من المسيحيين ويسوؤهم من نفوذ أمرائه لأنه مهد الإسلام، ولحسبانهم أن سلطة

شريف مكة كسلطة البابا، فهو من أعمال بريطانية العظمى وإنما الحجاز معبد ليس

مقر سلطة ولا يصلح أن يكون كذلك، وليس فيه قوة جندية ولا مالية يفتح بها سورية

أو يحفظ بها نفسه لو حاربته هي أو غيرها. وسيرون هذه الدولة مهتمة بالصلح مع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٤٢