العرب وزعمائهم وجمعياتهم، بل عثروا على رسالة تعد تحريضا للعرب على
الأجانب وقيل لهم إنني أنا الذي طبعتها ووزعتها - ومع هذا كله لم يفتشوا لي
منزلا ولا مطبعة ولا أهانوني بقول ولا عمل ولم يقابلني أحد من كبار رجالهم إلا
بالاحترام اللائق، فأين هذا مما عاملتني به السلطة الفرنسية في طرابلس؟
وذكرت له بهذه المناسبة أيضا كلمة عن ذهابي إلى الهند سنة 1912 بدعوة
جمعية ندوة العلماء فيها لرياسة المؤتمر الإسلامي وأن الإنكليز كانوا كارهين لهذه
الدعوة وبلغني في الهند أن جواسيسهم كانت تتبعني كما فعلت وتفعل جواسيس
فرنسة بطرابلس وبيروت، ولكن لم يتعرض أحد لحريتي الشخصية ولا فتحوا
صناديقي ولا فتشوا أوراقي! وختمت هذه المسألة بقولي له: (وليس هذا بكثير على
حرية الإنكليز التي قسروا بها من يختبرهم ويختبر غيرهم على تفضيلهم على جميع
الشعوب الأوربية في الحرية ومعرفة أقدار الناس) .
قلت: بل كان الغريب ما عاملني به أحمد جمال باشا الاتحادي الشهير في
بغداد - وكان يومئذ جمال بك - إذ ألممت بها منصرفي من الهند وكنت مجاهرا
بالطعن في الاتحاديين والتنفير عنهم وكانت (مجلة العالم الإسلامي) التي
يصدرونها في الآستانة تنشر بقلم الشيخ عبد العزيز شاويش أنني أقصد العراق
لأجل تأليب العرب وإثارتهم على الدولة - ولكن جمال باشا لم يأخذ هذا الكلام
قضية مسلمة، بل سأل نقيب السادة الأشراف السيد عبد الرحمن المحض الكيلاني
(رئيس وزراء بغداد لهذا العهد) وبعض كبار العلماء عني فبالغوا في الثناء (وكان
هو يعرف عني شيئا وكتب إلي قبل سفري ذاك) فأكرمني وزارني ودعاني إلى
طعامه، فأين هذه المعاملة من أقسى الاتحاديين الذي اشتهر بلقب السفاح من معاملة
الفرنسيس لي في بلدي وأنا لم أفعل شيئا يخالف القانون ولا يخل بالأمن، ولم أدخل
في غمرة الأحزاب السياسية إلخ.
وختمت المذكرة بسوء تأثير هذه الحادثة في أنفس المسلمين الذين صاروا
يتعجبون لما كانوا يسمعون من حسن سيرة فرنسة وسوء سيرة الدولة العثمانية، وقد
تبين لهم أن الترك أعدل وأرحم وأبعد عن التعصب وأحسن إدارة من الفرنسيس،
فصاروا يسألون عن سبب سوء صيت الترك وحسن صيت الدول الأوربية إلخ.
اعتذار المندوب السامي وغيره
أرسلت المذكرة إلى المندوب (القومسير) السامي فلم ألبث أن دعيت إلى
مقره الرسمي (القومسيرية وكان ذلك في 8 نوفمبر) فقابلني فيها (مسيو
رودريكس) معاون مدير الأمور السياسية؛ لأنه يحسن العربية وكان هو المترجم
بيني وبين المندوب عند تلاقينا منذ شهر فرحب بي أجمل الترحيب وبلغني شدة
أسف المندوب السامي لوقوع الحادثة وأنه كان يود لو يلقاني ليعتذر لي بنفسه لولا
أنه أصيب منذ ثمانية أيام بإسهال تحول إلى دوسنطارية وأنه كلفه الاعتذار باسمه،
وأن يخبرني أن الحاكم العام مسيو (نيجر) سافر أو يسافر إلى طرابلس لأجل هذه
الحادثة ليحقق الأمر فيها ويعاقب المسيئين وأنه سيعزل حاكم طرابلس لأجلي،
وكلفه أن يخبرني أيضا بأن الحكومة الفرنسية مستعدة للقيام بكل ما أطلبه من
التعويضات المالية والأدبية - وكرر علي ذلك قائلا مهما تطلب من التعويض يؤد
بكل ارتياح.
قلت: إنني لا أطلب تعويضا ماليا وإنني لم أخسر من المال شيئا يذكر وأما
معاقبة المسيئين من الشرطة وغيرهم فهو لمصلحتكم؛ لأنه يرفع عنكم تهمة تعمد
إهانة المسلمين وظلمهم وأنا لم أخسر شيئا من مقامي الأدبي بظلمكم إياي بل ذلك
مما يرفع مقامي في نظر أهل وطني وغيرهم، إلا أن حاكم طرابلس أمسك عنده
أوراق وقفنا فأنا أطلبها للسعي في إنجاز العمل فيها.
قال: إذا أنت لم تطلب لنفسك شيئا فأنا أطلب منك باسم الوطن السوري أن
تترك مصر وتقيم هنا وتشتغل بإصلاح بلادك فهي أولى بك؛ لأنها فقيرة من
الرجال ونحن في حيرة من هذا الفقر، نريد إنشاء مجمع لغوي وأن تكون أنت