تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأجاب بأنه وقع من رجالهم أغلاط كثيرة ينكرونها ولكنهم سيتلافونها، وأنه على ما

ينويه من المساواة بين جميع الطوائف والملل في الوظائف وغيرها سيجتهد في

مراعاة شعور المسلمين الديني بدقة وعناية تامة، وذكرت له أن أهم ما يهم

المسلمين (كما يهم غيرهم أيضا) جعل التعليم باللغة العربية وجعلها هي الرسمية

وعدم تعرض السلطة للأوقاف وللتعليم الديني فوعد بذلك وعدا مؤكدا، وإنما ذكرت

له هذا لأسمع منه ما يقوله فيه لا لاقتراح شيء عليه.

(المسألة الثانية) : ما ينوون عمله في المنطقة الشرقية، سألته: هل تظل

على حالها؟ فقال: لا بد من توحيد الإدارة في البلاد كلها ومن وجود المستشارين

الفرنسيين في الداخل كالساحل إلا أن الاحتلال العسكري يبقى في الساحل فحسب.

قلت: وهل يكون لسورية كلها حاكم واحد كالأمير فيصل أم تجعل قسمين لكل منهما

أمير أو حاكم وطني عام؟ قال: لا بد من قسمة البلاد إلى عدة ولايات أو مقاطعات،

ولا يعلم الآن كيف يكون ذلك لأنه يتوقف على ما يكون عليه الصلح مع الترك لأن

البلاد لا تزال لهم (بلاد العدو المحتلة) .

هذا ما قاله وهو أعلم بغرض حكومته على أنهم قسموا البلاد قبل الصلح مع

الدولة فجعلوها بضع دول أكبرها وأخصها ما سموه (لبنان الكبير) .

(المسألة الثالثة) : المقابلة والتنظير بين الفرنسيس والإنكليز والسياسة

الحاضرة، وما ينتظر من التحول والانقلاب فيها، وقد أطلنا فيها ما لم نطل فيما

قبلها.

قال هو: إن الفرنسيس أرق طباعا وألطف معاشرة من الإنكليز؛ فهم يحترمون

الشرقيين وغيرهم ويقابلون أهل الفضل والمكانة بما هم أهل له من الحفاوة والإكرام،

وأما الإنكليز فمتكبرون يزرون بأقدار الناس، أو ما هذا معناه.

قلت: إن لطف الفرنسيس وحسن معاشرتهم وقربهم من الشرقيين في ذلك

مشهور كشهرة الإنكليز بالجفوة والانكماش والعجب بأنفسهم، وإننا قد اختبرناهم في

مصر فألفيناهم كما يقال عنهم إلا أن آدابهم جلية في معاشرة من يرضون معاشرته

ولقاء من يودون لقاءه، ولكن ما جبلوا عليه من الترفع والعجب والأثرة، والطمع

ومحاولة الانفراد بالسيادة سيبغضهم إلى جميع الأمم والشعوب ويؤلبها عليهم، وذكرت

طمعهم في بلاد العرب والعجم والآستانة وما يقصدون من مد ظل سلطنتهم

(إمبراطوريتهم) من الشطر الإفريقي من أفريقية والغربي من آسية إلى حدود الصين

وسيادة سائر البحار وإزالة ملك الإسلام من الشرق، وجعل جميع الدول العظمى في

أوربة عالة عليهم وتبعا لهم في سياسة العالم (قلت) : حتى إنني لأتوقع مجيء يوم

ترون فيه من مصلحتكم محالفة الألمان على الإنكليز!! فوافقني على آرائي في هذه

الأمور بعد مناقشة في بعضها، وقال في توقع الانقلاب في سياسة الحلفاء: إنه محال

أو غير بعيد، ولكننا الآن متفقون في كل شيء.

وبهذه المناسبة ذكرت له خلاصة من مذكرتي التي أرسلتها إلى مستر لويد

جورج في هذا الموضوع ليعلم أنني لم أقل له ما قلت في الإنكليز تقربا إليه كما

يفعل أنصارهم في سورية وإنما هو شيء قلته بل كتبته لأعظم رجال الإنكليز لأنني

أعتقده وأعتقد أن استمرارهم على تقاليدهم السياسية القديمة شر لهم وأنه سيفضي

إلى عداوة الأمم لهم والخلاف مع حلفائهم الذي اضطرهم إلى محالفتهم الخطر

الألماني المهدد للفريقين المتأصل تعاديهما في بطون التاريخ وقد تجددت بينهما

عداوة حسد المهضوم حقه في هذه المحالفة بكثرة خسارته للآخر الذي زاد ربحه

على خسارته أضعافا، ولم يرو غليل مطامعه، أعني عداوة اللاتين للإنكليز، وقد

صرحت بهذا في مذكرتي للوزير البريطاني التي نوهت بذكرها في مقالة (الحقائق

الجلية في المسألة العربية) وكان غرضي منها إقناعه بترك قسمة تراث الإسلام؛

لأنه لم يمت والاعتراف باستقلال العرب والترك والفرس وكذا مصر، ولا تزال

الأيام تصدق بأحداثها كل ما كتبته في تلك المذكرة كما صدقت ما كتبته لهم فيما قبلها،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٢ · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٢ · ص ٣٣٥