كان أكبر ممثل للأمة؛ لأنه هو الذي أعلن الاستقلال ونصب فيصل ملكا باسم الأمة،
فإذا كان سائس القبلة ينكر هذا أو يماري فيه فإننا ننشر نصوص البرقيات التي
أرسلها الملك فيصل إلى الجنرال غورو، وما احتف بها من الحوادث خصوصا
اتهام فيصل للمؤتمر بأنه قرر خيانته وقتله وما خاطبته به في هذه المسألة وغيرها.
أليس من غرائب شؤون البشر أن يقول العالمون بهذه الحقائق أن صاحب
المنار هو الذي أدت مواقفه إلى تسليم البلاد إلى الجنرال غورو؟! ثم يعللون ذلك
بزعمهم تهكما أنه ادعى أنه كان هو الآمر الناهي في دمشق يولي من يشاء ويعزل
من يشاء؟ وهل يمكن أن يصل أحد إلى سفه نفسه بمثل هذا إلا بخذلان من الله؟
***
من حمل أمير مكة على الثورة
وأما المسألة الثانية مما نقلته القبلة عن نصيرها وهي زعم الدكتور طليع الذي
ارتضاه سائس القبلة، أن صاحب المنار أشار على ملك الحجاز بعداوة الاتحاديين
فأفضت العداوة إلى قتال الترك؛ لأن أمر الدولة كان بأيدي الاتحاديين - فهي
تضليل ظاهر وإفك بين، فإن صاحب المنار إنما ذهب إلى الحجاز حاجا بعد
خروج أمير مكة على الدولة وقتاله إياها واستعانته عليها بالدولة البريطانية التي
أيدته بأساطيلها وببعض الجنود المصرية، وبذلك غلبت الحامية العثمانية التي كانت
بجدة ومكة والطائف. وفي تلك الأثناء نصحنا له بما أشرنا إلى بعضه في بعض
المقالات تحت إشراف المراقبة الثقيلة على المنار وصرحنا ببعضه في مقالة
الحقائق الجلية وأهمه: التحذير من عداء الأمة التركية وأن يكون من أسباب سقوط
الدولة العثمانية، وأن يحصر عداوته في خطة الاتحاديين الطورانية، وإنكار قسوة
جمال الوحشية، حتى يبقى للصلح بينه وبين الدولة موضع كما صرحت بذلك في
خطبتي التاريخية في احتفال العيد (بمنى) وأظهر لي القبول وكان هذا ممكنا.
وبعد العودة إلى مصر أنكرت في رحلة الحجاز على بعض الشبان الذين
ذهبوا إلى الحجاز امتهان الدين، وفضلت عليهم من كنا ننكر عليهم من الاتحاديين
فبادرت الحكومة الحجازية إلى عقابنا على هذا بمنع مجلة المنار من دخول
الحجاز، ثم استرسلت في أعمالها السياسية والحربية بما كنا ننكره عليها ولا
نستطيع مقاومتها بقول صريح، ولقد استغربنا إقرار سائس القبلة ما ذكر من سخف
نصيره والمحامي عنه، ولا سيما زعمه أنه (ما حمل جلالة ملك الحجاز لمناوئتهم
إلا كذا وكذا) فهل كان أمير مكة يقرأ مقالات المنار في الإنكار على الاتحاديين
وكانت عنده من الأسباب التي حملته على موالاة إنكلترة ومساعدتها على قتال الدولة
العثمانية؟ أم كان ذلك بفعل الدسائس والجنيهات الإنكليزية.
كلا إن ما كتبناه في الإنكار على ما أتاه بعض الاتحاديين المارقين قد كان
مشايعة ونصرا لجمعية علماء الآستانة وللأحزاب العثمانية المخالفة لهم من حيث هم
حزب سياسي لم يقدر المركز الديني للدولة حق قدره وفتن بالعصبية الطورانية حتى
كان جميع المتدينين خصوما له، وإن لم تظهر لهم حقيقة الغلاة من زعمائه إلا
بالتدريج، ولم يكن في شيء من ذلك تحريض على الترك ولا على الدولة بل كان
انتصارا لها، وقد علمت في أوربة أن السواد الأعظم في الآستانة والأناضول صار
خصما لأولئك الغلاة وائتمروا بالفتك بهم بعد انتهاء الحرب، ونحمد الله تعالى أن
ظهر للجميع تلك العصبية الجاهلية التي أنكرناها عليهم وأجمعوا على صحة رأينا،
وسنبين ذلك في الرحلة الأوربية، إن شاء الله تعالى.
تنبيه: افترى الدكتور طليع علينا ما شايعته عليه جريدة القبلة من زعمه أننا
كنا نحرض على الترك، وأن ذلك كان من أسباب خروج أمراء الحجاز عليهم
وغرضهما من ذلك معروف جلي، وإلا فليأتونا بنص من المنار يؤيد زعمهما، كما
افترى علينا الدكتور طليع بأننا كنا مؤيدين لملك الحجاز في عداوته وقتاله للترك
إلى عهد قريب، والصواب أننا كنا في أول العهد بالثورة غير مطلعين على دخائلها