***
(المنار)
لو أردنا أن نرد على كل ما في هذه المقالة من الخطأ والخطل الشرعي
واللغوي والسياسي لشغلنا قراء المنار زمنا طويلا بمسائل يفضلون جميع مباحث
المنار عليها، فنكتفي إذا بما نراه مفيدا من ذلك.
عجز سياسي القبلة أو سائسها أن ينقض شيئا من (الحقائق الجلية) التي
أثبتناها في مقالنا التاريخي فحصره الإنكار والرد علينا بما أورد في مقالته يتضمن
الاعتراف بتلك الحقائق كما سبق لنصيره الذي رد علينا في الأهرام، فما أورده
ينحصر في مسألتين مبتكرتين، ومسألتين منقولتين:
أما المسألتان اللتان جادت بهما قريحة سائس القبلة وقلما يصدر مثلهما إلا عن
ذلك الفكر الغريب، والدماغ المخالف لسائر أدمغة البشر في التركيب، فأولاها
وأولاهما بالتقديم ما أشار إليه بعنوان المقالة: أأعجمي أم عربي؟
***
إنكار جريدة القبلة لكون صاحب المنار عربيا
شرح سائس القبلة هذا العنوان بما صرح فيه بإخراجنا من الأمة العربية
وإلحاق نسبنا بالأعاجم والظاهر أنه يعني بهم الترك الذين أنكرنا عليه عداوته لهم
ومحاربته إياهم توليا للإنكليز، ولنا في هذه المسألة أبحاث:
1- إذا كان يعني أن صاحب المنار تركي الأصل أو غير عربي بدليل ما كان
من غيرته على الدولة العثمانية، فأكثر مسلمي الأرض من عرب وعجم أتراك؛
لأنهم يشاركون صاحب المنار في رأيه وشعوره في الأمة التركية والدولة العثمانية
حتى أهل الحجاز وفي مقدمتهم الشرفاء، فقد علمنا بالخبر وخبر الثقات أن أكثرهم
قد ساءه الخروج على الترك وسقوط حكومتهم وأنهم يفضلونها على حكومتهم
الحاضرة ولكنهم لا يستطيعون التصريح بذلك إلا لمن يثقون بأنه لا يفشيه لحاكمهم
المطلق.
2- إذا كان من ينتصر لقوم ويدافع عنهم ولو بالحجة والبرهان لا يكون إلا
من المشاركين لهم في نسبهم، فما القول فيمن ينتصر لقوم باللسان والسيف
والسنان، ويحارب أهل دينه ويخرج على سلطانه وخليفته ويتولاهم عليه؟ أليس
هو الأولى بأن يعد منهم إن لم يكن بالنسب فبقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه
منهم} (المائدة: 51) .
3- بعد أن خاطب سائس القبلة صاحب المنار بقوله: (تزعم أنك من
عنصرهم) أي العرب، سأله سؤال تعجيز: أهو عربي أم عجمي؟ (قال) : وإن
كان الأول فليسلسل وثائقه إلى الفخيذة التي يريد أن ينتمي إليها، تأمل قوله (يريد أن
ينتمي إليها) فيا ليت شعري هل القاعدة عند من يريدون أن يتولوا ملك العرب ألا
يعتدوا بعربية أحد إلا إذا جاءهم بوثائق مسلسلة إلى الفخذ أو الفخيذة التي ينتمون
إليها أو يريدون الانتماء إليها؟ أم ذلك خاص بأهل الحضارة من عرب سورية
والعراق وأمثالهما كمصر والمغرب الأدنى والأقصى؟
4- إن سائس القبلة يعلم أننا ننتمي إلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم
ويريد أن يطعن في نسبنا طعنا بليغا بإخراجنا من الأمة العربية بأسرها جهلا منه
بدينه وبنفسه، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اثنتان في الناس هما بهم كفر:
الطعن في النسب، والنياحة على الميت) رواه أحمد في مسنده ومسلم في
صحيحه. والمراد أن ذلك من أعمال الكفر والجاهلية، ونحن قد ذكر لنا بعض أهل
بيوتات مكة ما هو مشهور فيها من أن بعض كبراء أمرائها قد ثبت بطلان نسبه في
المحكمة الشرعية بشهادة الشهود لدى القاضي الشرعي بأن أمه - وهي مملوكة
بالطريقة المعروفة اليوم وهي غير شرعية غالبا - دخلت بيت أبيه وهي حامل به
ووضعته قبل أن يتم لها في داره أقل من مدة الحمل الشرعية وحكم القاضي بذلك،
فقلنا: لكنه يدعي النسب العلوي وحكم الشرع أن الناس مأمونون على أنسابهم،
وأن الطعن في النسب من عمل الجاهلية ونحن لم نطلع على الحكم الشرعي الذي
تذكرونه، فأين هذا الأدب الشرعي من جرأة سائس القبلة وعدم مبالاته بالشرع
والدين؟
5 - يقول سائس القبلة متهكما كعادته أنه سأل صاحب المنار عن الوثائق