الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">
سفور النساء واختلاطهن بالرجال
وفوضى الآداب بمصر
في هذه الأيام التي ثبت فيها عن نساء فرنسة كلهن، حتى غانيات باريس
منهن، أنهن لبسن ثياب الحداد، بعد رفولهن في تلك الأزياء، التي تقلدهن فيها
سائر النساء، في جميع الأرجاء،وظهرن بمظهر الراهبات الناسكات، وهن أولئك
الفاتنات، الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، اللواتي فتن قلوب الرجال،
حتى صاروا يشدون إليهن الرحال، بل يطيرون إليهن على مراكب النار، في
سباسب الأرض وأجواز البحار، وتركن المراقص والملاهي والحانات، إلى
ساحات القتال والمستشفيات، وإلى دور الصناعة، وأعمال الزراعة، ليخففن عن
أمتهن أثقال هذه الحرب الضروس، في هذا العصر العبوس.
في هذه الأيام التي مس فيها الضر، وهدد الأمم والدول العسر؛ فكسدت
غلات الزراعة، وتعطلت معامل الصناعة، ووقفت حركة التجارة، وقل الدرهم
والدينار، وغلت أثمان الأشياء، وخاف العقلاء أن يعقب هذه الحرب قحط
ومجاعات، تتلوها فتن وأوبئة وثورات، وشعر المبذرون من أهل السعة والثروة،
بوجوب الاقتصاد في النفقة خوفا من سوء العاقبة.
في هذه الأيام التي تدك فيها الحصون والمعاقل، وتدمر المعابد والمنازل،
وتثل العروش، وتذهب باستقلال الشعوب، وتنذر أقوى الدول بأسا، وأشدهن
بطشا، ذلا بعد عزة، وضعفا بعد قوة، وفقرا بعد ثروة، وعبودية بعد حرية.
في هذه الأيام - وقد زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها،
وقال الإنسان ما لها، وما عسى أن يكون مآلها - انبرى نفر من الشبان والشواب،
من المتفرنجين والمتفرنجات في هذه البلاد، يتبارون في تحبير المقالات، وإقامة
الحجج والبينات، المؤلفة من مقدمات الشبه والخيلات، على وجوب سفور النساء
المصريات، واختلاطهن بالرجال في الملاهي والمجتمعات، وفي عامة الأحوال
والأوقات؛ ليشاركن الرجال في حريتهم، ويساهمنهم في التمتع بمحاسن (الطبيعة)
ويقتبسن منهم الآداب والأفكار الجديدة؛ ولذلك يسمون مطلبهم هذا (تحرير المرأة)
فمرادهم أن المرأة في رق أهلها ثم زوجها، وأنه ينبغي أن تفعل ما تشاء ولا
يصح لأحد أن يحجر عليها، ولا أن يصدها عما تحب وتهوى.
يتوهم هؤلاء المساكين أن الفوضى الأدبية التي يرتعون فيها هي الحرية التي
ينوه بمدحها الإفرنج، والتي بها وصلوا إلى ما وصلوا إليه من العلم والصناعة،
وما أنتجا من الملك والسيادة، ولم يعقلوا أن هذه الفوضى هي التي حلت روابطهم
القومية، وأضعفت مقوماتهم، ومشخصاتهم الجنسية، وجرفت ثروتهم إلى البلاد
الأجنبية، وجعلتهم غير أهل للاستقلال في إدارة بلادهم، فضلا عن مد نفوذهم
وبسط سلطانهم على غيرهم، ولم يستفيدوا منها إلا الغرور بأنفسهم، وكثرة
الدعاوي العريضة بألسنتهم.
النساء المسلمات غير مسترقات في مصر، ولا في غيرها، ولا محرومات
من التمتع بمحاسن الوجود، وطيبات الدنيا، فأما نساء الفلاحين فأمرهن معروف،
وإنهن يشاركن الرجال في كل شيء، ولا يعنيهن طلاب (تحرير المرأة) فيما
يقولونه عن النساء المصريات، وأما نساء الموسرين في المدن اللواتي تتوجه إليهن
أنظار هؤلاء المحررين، فهن أكثر تمتعا بزينة الدنيا ونعيمها من الرجال، إلا في
أمر واحد فقط، وهو حرية المجاهرة بالفسق، ومعاشرة الرجال ومخادنتهم في
الجهر، فالفاسقة منهن لا تفسق إلا وراء الستر، أو في المواخير المعروفة ببيوت
السر، ولا تخرج مع خدن لها للتنزه إلا مستخفية، إلا أن تكون مغمولة أو متهتكة.
وأما البرقع فهو زي اختارته لنفسها، وزينة تجذب الأنظار إليها؛ لأنه يظهر
المحاسن، ويخفي المعايب، وقد اعترف بذلك قاسم أمين، وسبقه إليه الشيخ أحمد
فارس الكاتب الاجتماعي الشهير، وقد نظم في البرقع هذين البيتين:
لا يحسب الغر البراقع للنسا ... منعا لهن عن التمادي في الهوى