تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن السفينة إنما تجري إذا ... وضع الشراع لها على حكم الهوا

على أن البراقع كانت في عهد زيارته لمصر ساترة لمعظم الوجه، فكيف لو رأى

براقع هذه الأيام التي قلت فيها من مقال سابق: (تلاعبها الأنفاس، وتخترقها أشعة

عيون الناس) ؟

وإني لأعجب من المدافعين عن الحجاب كيف يعدون هذه البراقع البيضاء

الشفافة من محصلاته،أو متمماته، وما هي إلا من هاتكاته، أو مزيلاته، إلا أن

يكون مرادهم رد كل ما يجيء به خصومهم من العبث بعادات الأمة لأجل التفرنج،

وزيادة التهتك، كما أني أعجب من اهتمام الآخرين بإزالتها دون غيرها من زينة

النساء المدنيات، وهي لا تمنع علما، ولا عملا، ولا صلاحا، ولا فسادا، إلا أن

يكون مرادهم ترك كل وطني احتقارا له، واستبدال المشخصات الإفرنجية

بالمشخصات الوطنية تعظيما لقدرها، أو توهما أن تشبهنا بالإفرنج في مشخصاتهم

- وهو سهل علينا - يقوم مقام جعل مقوماتنا كمقوماتهم، - وهو ما عز علينا -

فيكون لنا شرف التلهي بقشور مدنيتهم، وقد انحطت هممنا عن اللحاق بهم في

لبابها وحقائقها.

أو لم يكفهم أننا شرعنا نقلدهم في هذه الظواهر القشرية فتزيا حكامنا بأزيائهم،

وتبعهم الناس بالتدريج المعتاد في مثل ذلك، ثم قلدناهم في الأثاث والرياش

والماعون وفي كثير من العادات، وهل كان ذلك كله إلا سببا لحرف ثروتنا،

وانتزاعهم إياها منا، وبعد أن قضي على صناعتنا، ولم تحل صناعتهم محلها، دع

تأثيره في إضعاف ديننا وآدابنا، التي هي مقومات أمتنا، فخرجنا عن كوننا أمة

متماسكة بما بينها من الروابط كتماسك البناء المتين، وصرنا كالأنقاض التي لا

مالك لها، يأخذها المعمرون فيشيدون بها دورا جديدة لهم.

لماذا لا نعتبر بحال الأمة الإنكليزية التي نالت أعظم سيادة في الأرض

بأخلاقها، وصفاتها، وعاداتها، كالثبات، والتروي، والمحافظة على مقومات

الأمة ومشخصاتها حتى المفضولة منها، وعدم اقتباس شيء من عادات غيرها،

وآدابه، وإن كان أحسن مما عندها، إلا أن يكون بالتدريج البطيء في الزمن

الطويل.

وجملة القول أن زي النساء المدنيات بمصر هو زي زينة تجذب أنظار

الرجال إليهن قلما يوجد زي يفي بهذا الغرض مثله، وهو ليس من الحجاب في

شيء، ولعله أبعد الأزياء عن آداب الإسلام وصيانته، فلباس البدويات والقرويات

السافرات الوجوه أقرب إلى أدب الإسلام وصيانته منه؛ ولكن الدعوة إلى إزالته

بدعوى قبحه - لأنه من الحجاب الضار المذموم بزعم هؤلاء الدعاة، وبروح التفرنج

التقليدي الذي يدفعهم إليه - دعوة ضارة مضعفة لمزاج الأمة، صادعة لبنائها

الاجتماعي، وإنما تحسن الدعوة إلى تغييره بدعوى مخالفته للآداب الدينية،

وشرف الصيانة الإسلامية، وإلى استبداله بزي آخر يجمع بين الجمال والكمال،

ولا يقصد به تقليد أحد من الشعوب والأجيال.

إن المقلد لا ينفك مرتكسا ... في الضعف يخبط في ليل دجوجي

وأما المطلب الثاني من مطالب أعداء الحجاب - وهو اختلاط النساء

بالرجال - فهو الجد الذي يؤبه له، ويهتم به، وحسبك من بيان ضرر الدعوة

إليه بروح التفرنج، وأسلوب ذم الحجاب المنسوب إلى الشرع، ما قلناه آنفا في

ضرر الدعوة إلى تغيير الزي، وتأمل في الموضوع نفسه لتدرك ما فيه من الضرر

أو النفع.

لعل عدد نساء الموسرين في المدن لا يبلغ معشار1/1000 عدد نساء الفقراء

اللواتي يبعن في الأسواق والطرقات، أو يخدمن في البيوت، ونساء القرى والبادية

وهؤلاء هن اللواتي يوصفن بالحجاب، والجهاد كله في سبيلهن.

هذا العدد القليل من النساء يخالط الرجال الأجانب كل يوم في الأسواق،

والشوارع، والمتنزهات، وكذا في بعض البيوت، فالنساء المدنيات يشترين

بأنفسهن من الرجال كل ما يحتجن إليه من الثياب، والحلي، والأعطار، وأدوات

الزينة، حتى ما يستحيا من ذكره، ونرى الكثيرات منهن في ضواحي المدن،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٨ · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٨ · ص ٨٩